يستنكر التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود» بأشد العبارات البيان الصادر عن وزارة الخارجية المعينة من قيادة القوات المسلحة، والخاضعة لنفوذ عناصر النظام البائد وتابعيهم، والذي أنكر خطر المجاعة وهاجم الدعوات إلى الهدنة الإنسانية، في استخفاف بالغ بحياة ملايين السودانيين/ات الذين يواجهون الموت جوعاً وقتلاً. ويعكس هذا الموقف إصراراً على تقديم حسابات السلطة على حياة الناس، والتنصل من المسؤولية عن الكارثة الإنسانية، بل واتخاذها ذريعة لرفض الجهود الرامية إلى وقف الحرب ونزيف الدماء في البلاد.
تكفي الأرقام الموثقة لفضح حجم التضليل الذي انطوى عليه هذا الموقف، فبحسب أحدث التحذيرات الدولية، يعاني نحو 19.5 مليون سوداني وسودانية، أي 41% من السكان، من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم خمسة ملايين يواجهون مستويات طارئة من الجوع، فيما يتوقع أن يعاني أكثر من 825 ألف طفل من سوء التغذية الحاد خلال العام الجاري. وأكثر من 33 مليون شخص يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية، بينما شردت الحرب الملايين ودمرت سبل كسب عيشهم. ولم تعد مظاهر الجوع مقتصرة على مناطق بعينها، بل شملت حتى الخرطوم، حيث يصطف الناس في طوابير طويلة للحصول على وجبات البليلة المجانية، وسط شح الخبز وارتفاع أسعار الغذاء وانهيار قيمة الجنيه السوداني وتآكل قدرة الأسر على توفير أبسط احتياجاتها. فكيف يمكن لسلطة تواجه بلادها كل هذه الكوارث أن تصف الوضع الغذائي بأنه “مطمئن”، وتنكر خطر المجاعة الذي تحذر منه المؤسسات الدولية المختصة؟
لم يتوقف البيان عن إنكار هذه الحقائق فحسب، بل قال أن التحذير من المجاعة هو ذريعة لفرض وقف إطلاق النار، وكأن الهدنة الإنسانية التي تحقن الدماء جريمة ينبغي التصدي لها، لا ضرورة عاجلة لإنقاذ الأرواح! ويكشف هذا المنطق عن طبيعة العقلية المسيطرة على هذه السلطة، التي أصبحت الحرب هي وسيلتها الرئيسية لتحقيق طموحاتها السلطوية. وهي بذلك تجعل من ادعاء الشرعية الذي تسعى إلى انتزاعه دون وجه حق، سلاحاً لحرمان المواطنين من الغذاء والإغاثة، وغطاءً لاستمرار الحرب التي دمرت البلاد.
إن السيادة الوطنية هي بالمقام الأول مسؤولية عن حماية الناس وصون حياتهم وكرامتهم، وليست امتيازاً تمنحه القوة العسكرية أو غطاءً لمنع الغذاء والدواء عن المحتاجين. وقد أثبتت الحرب أن السلطات القائمة ليست عاجزة فحسب عن حماية المدنيين وتوفير احتياجاتهم، بل تفتقر إلى الرغبة والإرادة لتقديم حياة الناس على حسابات الحرب والسلطة. وعليه حين تتقاعس السلطات عن الوفاء بمسؤولياتها، وتتحول إلى عائق أمام إنقاذ حياة البشر، تتعاظم مسؤولية المجتمع الدولي في ضمان وصول المساعدات الإنسانية وفقاً للقانون الدولي، دون أن يترك مصير الملايين رهينة لموافقة المتحاربين أو شروطهم السياسية والعسكرية.
وللسودان نفسه تجربة تاريخية مهمة في هذا الصدد حين انطلقت في عام 1989 عملية “شريان الحياة”، التي أتاحت إيصال المساعدات إلى المناطق الخاضعة لسيطرة أطراف الحرب عبر ترتيبات إنسانية خاصة، انطلاقاً من أولوية إنقاذ الأرواح على اعتبارات النزاع. واليوم وفي ظل كارثة تفوق في حجمها وتعقيداتها أزمات الماضي، تبرز الحاجة إلى ترتيبات إنسانية دولية فعالة تضمن فتح المعابر الحدودية وخطوط التماس، وتأمين الممرات البرية والجوية، وتسهيل عمل المنظمات الإنسانية دون قيود أو تدخل من أطراف القتال، وضمان وصول المساعدات إلى جميع المحتاجين دون تمييز. فلا يجوز أن تصبح السيادة ذريعة للتجويع، ولا أن تتحول المساعدات الإنسانية إلى أداة للمساومة على الشرعية السياسية.
إن الحرب هي السبب الرئيسي وراء الموت والجوع والنزوح والانهيار الاقتصادي وتدمير الخدمات وكل الكوارث التي تحاصر شعبنا اليوم، ولن تنتهي هذه المآسي ما دامت الحرب مستمرة. ولذلك نجدد في التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود” دعوتنا لإقرار هدنة إنسانية فورية وغير مشروطة، تفتح الطريق لحماية المدنيين وإيصال المساعدات، وتفضي إلى وقف دائم لإطلاق النار ومسار سلمي تفاوضي ينهي الحرب ويستعيد الحكم المدني الديمقراطي. لقد حان الوقت للانتقال من المناشدات والبيانات إلى ضغوط منسقة وإجراءات رادعة، بما فيها العقوبات الموجهة ضد كل من يعرقل الهدنة أو يمنع وصول الإغاثة، أياً كان موقعه أو انتماؤه. فلا يجوز أن يظل ملايين السودانيين/ات رهائن لحسابات سلطوية ضيقة، ولا أن يترك مصيرهم لمن يفضلون استمرار الحرب على إنقاذ الأرواح. إن وقف هذه الحرب ليس خياراً سياسياً قابلاً للمساومة، بل واجباً فورياً لا يحتمل التأجيل.
المكتب التنفيذي “صمود”
27 أكتوبر 2026
التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود”: بيان حول إنكار السلطة المعينة بواسطة قيادة القوات المسلحة لخطر المجاعة في السودان
