التحدي؟ اللون النوبي: أرم، لون زينب
بقلم: د. أحمد التيجاني سيد أحمد
قيادي ومؤسس في تحالف السودان التأسيسي (تأسيس)
روما ايطاليا ٣٠ اكتوبر ٢٠٢٦
مقدمة: من «التحدي هو أن نثبت العكس» إلى سؤال اللون والهوية
في مقالي السابق، «التحدي هو أن نثبت العكس!»، تناولتُ ضرورة مراجعة الأفكار والأحكام المسبقة، وعدم الاكتفاء بترديد الروايات السائدة دون تمحيص أو دليل. واليوم أعود إلى كلمة «التحدي» نفسها، ولكن من مدخل آخر يمس تجربتي الشخصية وتاريخ أسرتي، ويتصل بقضية أوسع في المجتمع السوداني: اللون والأصل والهوية.
فقد نشأتُ في أسرة نوبية تعكس، في ألوان بشرتها وتداخل جذورها وتاريخ تنقلاتها، جانباً من التنوع الذي عرفه المجتمع السوداني عبر أجيال. ومن واقع هذه التجربة، أطرح سؤالاً يتجاوز حدود الأسرة: لماذا يتحول لون البشرة أو النسب الذي ينتسب إليه الإنسان إلى معيار للمفاضلة الاجتماعية؟ ولماذا يشعر بعض الناس بالحاجة إلى إنكار جانب من جذورهم أو التقليل من شأنه، سعياً إلى هوية يعتقدون أنها تمنحهم مكانة أعلى؟
اخترت لهذا المقال عنوان «التحدي؟ اللون النوبي: أرم، لون زينب»؛ لأتناول هذه الأسئلة انطلاقاً من الذاكرة العائلية، ومن تاريخ النوبة ولغاتها، ومن النقاش الذي أثاره المفكر السوداني الراحل البروفيسور الباقر العفيف حول الجذور الأفريقية والهوية السودانية.
ليس هدفي أن أستبدل حكماً مسبقاً بآخر، أو أن أجعل أصلاً أو لوناً أعلى من غيره. وإنما أريد أن أفتح باباً للتأمل في علاقتنا بتاريخنا، وفي قدرتنا على الاعتزاز بجذورنا المتعددة دون انتقاص من الآخرين.
فإذا كان التحدي في المقال السابق هو أن نثبت العكس، فإن التحدي هنا هو أن نواجه تاريخنا كما هو، وأن نتصالح مع أنفسنا، وألا نجعل اللون أو النسب سبباً للخجل أو التمييز.
أولاً: من لون البشرة إلى سؤال الهوية
كلمة «أرم» تعني الأسود باللغة النوبية. أما «لون زينب»، فهو تعبير شائع عن لون من ألوان البشرة، وربما يُقصد به اللون الأسمر أو البشرة التي تجمع بين درجتين من اللون. ولا أجزم بدلالة واحدة نهائية لهذا التعبير، إذ قد تختلف دلالاته بحسب الاستعمال المحلي.
لكن السؤال الذي يهمني ليس تحديد درجات الألوان بقدر ما هو فهم ما صنعناه نحن، أفراداً ومجتمعات، من معانٍ اجتماعية ونفسية حولها. كيف أصبح اللون، وهو أحد أوجه التنوع الإنساني الطبيعي، في بعض البيئات معياراً للتصنيف والمفاضلة؟ ولماذا يشعر بعض الناس بالحاجة إلى تغيير روايتهم عن أصولهم أو إخفاء جانب من تاريخهم حتى ينالوا الاعتراف الاجتماعي؟
هذه الأسئلة ليست بعيدة عن تجربتي؛ فقد نشأت في أسرة سودانية تعكس، في تاريخها وألوان أفرادها، جانباً من التداخل الذي ميّز المجتمع السوداني عبر أجيال طويلة.
ثانياً: جذورنا النوبية وذاكرة الأسرة
تنتمي أسرة والدي، وفق ما توارثناه داخل العائلة، إلى جذور نوبية قديمة. وترتبط روايتنا باسم «نب»، الذي نعدّه إشارة إلى النوبيين الأصليين في تاريخ أسرتنا، ثم باسم «ولياب» الذي تحمله عائلات نوبية ممتدة في المنطقة.
وتروي الذاكرة العائلية أن اسم «ولياب» ارتبط بتمازج النوبيين الأصليين، الذين تسميهم الرواية «نب»، مع جماعات من الأتراك البوسنيين الذين وفدوا إلى بلاد النوبة. ووفق هذه الرواية، كان كبير تلك الجماعة في نحو القرن الثالث عشر يُدعى «هنكار»، ثم تطور الاسم في الاستعمال النوبي إلى «ولي كارا»، وأصبح المنتمون إليه يُعرفون مع مرور الزمن باسم «ولياب».
ويمتد انتشار عائلات الولياب، بحسب ما توارثناه، من سمل في منطقة مفركة إلى الحدود السودانية المصرية، مع وجود فروع وروابط عائلية في قرى نوبية متعددة. وهذه الرواية تتصل بتاريخ التداخل والمصاهرة في النوبة، ولا تعني أن جميع الأسر التي تحمل الاسم تتطابق بالضرورة في كل تفاصيل النسب.
وتوجد كتابات منشورة تتناول الولياب بوصفهم عائلات ذات امتداد نوبي بين مصر والسودان، وتذكر روايات عن تداخلهم مع جماعات وافدة، كما تعرض قوائم نسب مختلفة. غير أن بعض تفاصيل التسلسل الزمني واشتقاق الاسم تظل موضع اختلاف بين الروايات؛ لذلك أورد هنا ما أعرفه من الذاكرة العائلية، مع إبقاء المجال مفتوحاً للمقارنة مع الوثائق والدراسات المتخصصة.
وأنا أورد هذه الأسماء كما عرفتها في ذاكرتنا العائلية، وأدرك أن التحقق من أصولها اللغوية والتاريخية يحتاج إلى دراسة متخصصة. غير أن قيمتها بالنسبة إليّ لا تقتصر على أصول الكلمات، بل تشمل ما تمثله من ذاكرة متوارثة عن الانتماء إلى أرض النوبة وتاريخها.
إن الحديث عن النوبة يعيدنا إلى حضارات وممالك قديمة تركت آثاراً عظيمة في تاريخ وادي النيل، من كوش ونبتة ومروي إلى ممالك النوبة في مراحلها اللاحقة. وترتبط هذه الذاكرة بأسماء ملوك وملكات وقادة مثل تهارقا، وبيانخي، وأماني ريناس، وأماني شاخيتو، الذين تحتل عهودهم مواقع مهمة في تاريخ المنطقة.
ولا أتعامل مع هذه الشخصيات باعتبارها سلسلة نسب عائلية مباشرة، بل باعتبارها جزءاً من التاريخ الحضاري الذي أنتمي إليه ثقافياً وجغرافياً، وأرى أن من حق الأجيال السودانية أن تعرفه وتعتز به.
لقد ظل اللون الأسود، الذي أعبّر عنه بكلمة «أرم»، جزءاً من واقعنا الأسري والنوبي. لكنه لم يكن اللون الوحيد؛ فقد عرفنا بين أهلنا درجات متعددة من البشرة، من الأسود إلى الأسمر والأفتح لوناً. ولم يكن هذا التنوع، في ذاته، دليلاً على تفاوت القيمة الإنسانية أو اختلاف الكرامة.
وكان لأسرتنا حضور في الإدارة المحلية؛ فقد كان جدي لأبي من الولياب، وتولى منصب العمدة في منطقة بطن الحجر، في النوبة قرب عبكة. وهذه الذاكرة المحلية جزء من تاريخ الأسرة الذي أحرص على نقله، مع التمييز بين الرواية المتوارثة وما يمكن توثيقه من سجلات تاريخية.
ومن المؤسف أن كلمة «أراب» قد تُستخدم في بعض الأوساط على سبيل الإساءة أو الانتقاص، بدلاً من أن تكون وصفاً لهوية أو انتماء. إن تحويل الاسم أو النسب إلى تهمة لا يكشف عن حقيقة الإنسان، بل يكشف عن مشكلة في نظرتنا إلى بعضنا بعضاً.
ثالثاً: أهل والدتي بين النوبة والقراريش
أما أسرة والدتي، فتجمع في روايتنا العائلية بين الجذور النوبية والقراريش. وتروي الذاكرة الأسرية أن القراريش قدموا في موجات هجرة قديمة من شبه الجزيرة العربية، وأن جماعات منهم استقرت في مناطق مختلفة واختلطت بسكان وادي النيل.
وتتحدث روايتنا عن مجموعات اتجهت إلى البادية النوبية، وأخرى استقرت على امتداد مناطق من وادي النيل، من النوبة المصرية جنوباً إلى مناطق تقع جنوب ديار الشايقية والجعليين.
وأورد هذه التفاصيل باعتبارها جزءاً من الذاكرة العائلية والاجتماعية التي تحتاج بعض جوانبها إلى التوثيق التاريخي، لا باعتبارها حكماً نهائياً على تاريخ الهجرات أو أنساب جميع الجماعات المذكورة.
وما يهمني في هذه الرواية أن أسرة والدتي لم تكن تعيش في عزلة عن محيطها، بل كانت جزءاً من مجتمع تشكل عبر التفاعل والمصاهرة والتجاور. وقد عُرف أهلها، بحسب ما عرفناه عنهم، بالشجاعة والكرم والمروءة.
ومن الشخصيات التي بقيت في ذاكرتي خالي أحمد خيري، المعروف بلقب «أوندي الضكر». فقد ارتبط اسمه بقصة البقاء في قرية مك الناصر وإعادة بنائها وتوسيع الحياة فيها، رغم الظروف الصعبة التي مر بها أهل المنطقة.
وقد زرت مك الناصر عام ٢٠١٠، بعد نحو خمسين عاماً من التهجير النوبي القسري الذي أعاد تشكيل حياة كثير من الأسر والمجتمعات. وما زلت أذكر ما رأيته من حضور للتعليم بين أبناء المنطقة؛ إذ وجدت أكثر من عشرين طالباً جامعياً وخريجاً، وكان بعضهم قد عاد إلى مك الناصر ليعمل في الزراعة وصيد الأسماك وزراعة النخيل.
كانت تلك الزيارة بالنسبة إليّ أكثر من زيارة إلى قرية قديمة. لقد رأيت فيها كيف يمكن للمجتمع أن يعيد بناء حياته، وأن يحافظ على ارتباطه بأرضه وذاكرته، حتى بعد أن تتغير الظروف وتبتعد الأجيال عن موطنها الأول.
إن التهجير قد يغيّر المكان الذي يعيش فيه الإنسان، لكنه لا يمحو بالضرورة علاقته بأرضه، ولا يلغي ما ورثه من ذاكرة وثقافة وانتماء.
رابعاً: بيت سوداني بألوان متعددة
كان بيتنا، مثل بيوت سودانية كثيرة، صورة مصغرة من التنوع الذي عرفه المجتمع. فقد اجتمعت فيه الجذور النوبية من جهة والدي، والجذور النوبية والقراريشية من جهة والدتي، إلى جانب حضور زوجة والدي الثانية، وهي امرأة من البقارة من منطقة الأبيض.
وقد تنقلنا مع والدي بين مدن وقرى ومناطق مختلفة في السودان، شملت الولاية الشمالية ونهر النيل وكردفان وكسلا، كما امتدت تجربتنا إلى إريتريا. وكانت هذه التنقلات فرصة للتعرف إلى مجتمعات متنوعة، تختلف في عاداتها ولهجاتها وملامحها، لكنها تشترك في جوانب كثيرة من الحياة السودانية والإقليمية.
وفي بيتنا رأيت ألوان البشرة المختلفة، من الأسود إلى الأسمر والأبيض. ولم يكن هذا التنوع أمراً نظرياً نقرأ عنه في الكتب، بل كان واقعاً نعيشه بين أفراد الأسرة الواحدة.
وكان أخي الراحل أبو بكر، الذي كان فاتح البشرة، يُعرف بلقب «الحلبي». وقد كان، بحسب ما عرفته عنه، من المهندسين المعماريين الذين أسهموا في مشروعات تطوير دبي، كما أنشأ أول موقع إلكتروني للدراسات النوبية.
ولم يكن اختلاف لون بشرة أبي بكر عن لون بشرة بعض أفراد الأسرة سبباً في اختلاف مكانته بينهم. لقد كان أخاً وابناً وأحد أفراد الأسرة، له شخصيته وعمله وذكرياته، مثل الآخرين تماماً.
هذه التفاصيل البسيطة هي التي دفعتني إلى التفكير في المعنى الاجتماعي للون. ففي البيت الواحد قد تتعدد درجات البشرة، وتتشابك الأصول، وتتباين الأسماء والصفات، ومع ذلك يجمع الجميع تاريخ الأسرة وروابطها وذكرياتها.
فلماذا يتحول هذا التنوع الطبيعي، خارج البيت أحياناً، إلى أساس للتصنيف والتمييز؟
إن اللون لا يحدد أخلاق الإنسان، ولا علمه، ولا قدرته على العطاء. كما أن الاسم أو النسب الذي يرويه المرء عن نفسه لا يكفي وحده للحكم على شخصيته أو قيمته.
خامساً: من ذاكرة الأسرة إلى سؤال السودان
كان والدي رجلاً بسيطاً في عمله، فقد عمل في السكك الحديدية، لكنه كان قوياً في شخصيته، عزيز النفس، شديد التمسك بما يؤمن به، ومتديناً. وبعد تقاعده، أسس الطريقة التجانية في شرق السودان، وفق ما عرفته من تاريخ الأسرة.
وقد تركت في نفسي سيرته أثراً مهماً؛ إذ تعلمت من تجربته أن قيمة الإنسان لا تتوقف على الوظيفة التي يشغلها أو المكانة التي يمنحها له الآخرون، بل ترتبط أيضاً بما يحمله من مبادئ، وبما يفعله في حياته، وبقدرته على صون كرامته.
أما ابن عمه داود عبد اللطيف، فقد واصل تعليمه حتى الجامعة، وأسهم في الإدارة السودانية بعد الاستقلال. وتروي الذاكرة العائلية أنه فُصل من عمله بعد مشاركته في مظاهرة احتجاجاً على التهجير، ثم اتجه إلى العمل في المال والأعمال وأسهم في تأسيس مؤسسة «دال».
أذكر هذه الوقائع لأن تاريخ الأسرة لا يتكون من الأنساب وحدها، بل من تجارب التعليم والعمل والمقاومة والتحولات الاجتماعية. وكل جيل يضيف إلى ذاكرة الأسرة جانباً من تاريخ البلاد.
لقد عشت في أسرة اجتمعت فيها ألوان متعددة، وتداخلت فيها أصول ثقافية واجتماعية مختلفة، ولم يكن ممكناً أن أفهم هويتي من خلال لون واحد أو رواية واحدة عن النسب.
ومن هنا أرى أن السؤال عن الهوية السودانية لا ينبغي أن يتحول إلى معركة لإثبات أن جماعة أفضل من أخرى، أو أن أصلاً معيناً أرفع من غيره. فالسودان بلد تشكل تاريخه عبر تفاعلات طويلة بين شعوبه، ولا يمكن اختزال هذا التاريخ في انتماء واحد.
إن الاعتزاز بالأصل النوبي لا يتطلب الانتقاص من العرب، مثلما أن الاعتزاز باللغة العربية لا يستلزم إنكار الجذور الأفريقية. ويمكن للإنسان أن ينتمي إلى ثقافة لغوية، وأن يحمل في الوقت نفسه تاريخاً عائلياً وجغرافياً أوسع من حدود تلك اللغة.
وإذا كانت أسر كثيرة قد تغيرت لغتها عبر القرون، فإن هذا التحول لا يعني بالضرورة اختفاء جميع عناصر ماضيها الثقافي. فاللغة أحد مكونات الهوية، لكنها ليست المكوّن الوحيد، ولا تصلح وحدها دليلاً قاطعاً على نسب جميع المتحدثين بها.
سادساً: الباقر العفيف وسؤال الجد والهوية
وأنا أراجع مقال المفكر السوداني الراحل البروفيسور الباقر العفيف، «وداعاً جدّي المنتحل (العبّاس)»، توقفت عند عبارته التي تختصر جانباً من الجدل حول الهوية السودانية: «أهو رباطابي طلعنا حبش».
طرح الباقر العفيف في مقاله فرضية مفادها أن مجموعات من شمال السودان، ومنها الشايقية والرباطاب والجعليون، قد احتفظت بجذور نوبية وأفريقية، رغم تحول لغتها إلى العربية وتبني بعض أفرادها روايات نسب عربية. واستند إلى نتائج فحص الحمض النووي التي عرضها في مقاله، وفسرها في إطار أطروحته عن الجذور الأفريقية للسودانيين الشماليين.
وقد أثارت هذه الأطروحة نقاشاً واسعاً، لأنها تمس أسئلة حساسة تتعلق بالأنساب واللغة والهوية والانتماء. لكن أهميتها، في تقديري، لا تكمن في استبدال رواية نسب بأخرى، بل في فتح باب للنقاش حول علاقتنا بتاريخنا، ومدى استعدادنا لمراجعة المسلمات التي ورثناها.
ومع ذلك، ينبغي التعامل مع نتائج فحوص الحمض النووي بدقة علمية. فهذه الفحوص يمكن أن تساعد على فهم القرابات السكانية والأصول الجغرافية المحتملة، لكنها لا تحسم وحدها كل تفاصيل الهوية التاريخية، ولا تثبت أن جماعة كاملة تنحدر حصراً من أصل واحد. كما أن النسب الاجتماعي والهوية الثقافية والروايات العائلية تتداخل فيها عوامل متعددة.
ولا أرى ضرورة لتحويل هذا النقاش إلى خصومة بين النوبيين والعرب أو بين الأفارقة وغيرهم. فالاعتزاز بالجذور النوبية لا يعني أن العربي أقل قيمة، كما أن الانتماء العربي لا يمنح صاحبه امتيازاً على الآخرين.
إن ما يستحق المراجعة هو الاعتقاد بأن على السوداني أن ينكر جزءاً من تاريخه حتى يحظى بالقبول، أو أن يتخذ من نسب متخيل أو غير موثق وسيلة لإثبات مكانته الاجتماعية.
إننا لا نحتاج إلى الانتقاص من أي شعب كي نعتز بأنفسنا. ولا ينبغي أن يصبح اكتشاف جذور أفريقية أو نوبية سبباً للخجل أو الخصومة. فكرامة الإنسان ثابتة، ولا ترتفع أو تنخفض بتغير النسب الذي يعلنه أو اللون الذي يحمله.
سابعاً: اللغات النوبية في جبال النوبة
لا يقتصر تاريخ النوبة على المجتمعات التي عاشت على امتداد وادي النيل، كما لا يمكن فهم تاريخ السودان من خلال الحدود الجغرافية والسياسية الراهنة وحدها. فاللغات والثقافات تحمل شواهد على تاريخ طويل من التواصل والتحولات السكانية والاجتماعية.
ومن المراجع التي سبق أن اطلعت عليها في هذا المجال كراسة عثمان السمحوني، «نبتة ومروي في بلاد كوش: بحث في تاريخ السودان القديم»، الصادرة عن كلية الآداب بجامعة الخرطوم عام ١٩٧٠. وقد أشرت إلى هذه الكراسة في مقال سابق نشرته في موقع سودانيز أونلاين بتاريخ ٢٢ ديسمبر ٢٠٢٤، بعنوان «مصر يا أخت بلادي يا شقيقة».
وبحسب ما أذكره من اطلاعي على الكتاب، فقد تناولت الدراسة إحدى عشرة لغة في جبال النوبة، وتضمنت الإشارة إلى وجود لغة نوبية ضمن هذا المشهد اللغوي. كما يرتبط هذا النقاش بذكر لغة الميدوب النوبية، التي تتحدث بها مجتمعات الميدوب في شمال دارفور. وتحتاج تفاصيل تصنيف اللغات الواردة في الدراسة إلى مراجعة النسخة الأصلية، التي لا تتوافر لدي حالياً، ولذلك أورد هذه الإشارة بأمانة باعتبارها إحالة إلى مرجع سبق أن اطلعت عليه.
وتكشف هذه المسألة عن أهمية البحث في تاريخ اللغات السودانية، وعن ضرورة عدم اختزال التنوع اللغوي في البلاد في العربية وحدها، أو افتراض أن التحول اللغوي يمحو بالضرورة كل ما سبقه من تاريخ ثقافي.
فوجود لغات نوبية خارج المجتمعات المعروفة على ضفاف النيل يفتح أسئلة مهمة حول الهجرات والتواصل والتغيرات اللغوية عبر القرون. لكنه لا يبرر، في الوقت نفسه، أن نستنتج من اللغة وحدها نسباً عرقياً قاطعاً لكل جماعة.
إن احترام التاريخ يبدأ بالتمييز بين ما نعرفه، وما نرويه عن أنفسنا، وما يحتاج إلى بحث وتوثيق. ولا ينتقص ذلك من قيمة الذاكرة العائلية؛ بل يساعد على وضعها في سياق أوسع وأكثر دقة.
ويمكن الرجوع إلى مقالنا السابق عبر الرابط التالي:
https://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1734899623&rn=1
ثامناً: اللون والكرامة والهوية السودانية
عندما أتأمل تجربتي العائلية، أجد أن اللون ليس سوى جانب واحد من تاريخ أكثر اتساعاً. فقد اجتمعت في بيتنا سحنات متعددة، وتداخلت فيه أصول مختلفة، وتنوعت تجارب أفراده، لكنهم ظلوا أسرة واحدة.
وهذه التجربة جعلتني أرفض فكرة أن يكون اللون معياراً لتحديد قيمة الإنسان أو حقه في الانتماء. فالأسود لا يحتاج إلى تبرير سواده، والأبيض لا يحتاج إلى الاعتذار عن بياضه، والأسمر ليس مطالباً بإثبات أنه أقرب إلى هذا الطرف أو ذاك.
كذلك لا ينبغي أن يُجبر الإنسان على الاختيار بين جذوره الأفريقية وانتمائه إلى الثقافة العربية، وكأنهما نقيضان لا يمكن اجتماعهما. فالهوية السودانية أوسع من هذه الثنائية، وتاريخ البلاد أغنى من أن يُختزل في صراع بين لونين أو نسبين.
إن التحدي الحقيقي هو أن نتصالح مع تاريخنا، وأن ندرس جذورنا بلا خوف، وأن نحترم الروايات العائلية مع إخضاع ما يحتاج منها إلى التحقق للبحث العلمي. كما ينبغي أن نحفظ آثارنا ولغاتنا وتراثنا، وأن نمنح الأجيال الجديدة فرصة التعرف إلى تاريخها دون أن نفرض عليها شعوراً بالنقص بسبب أصل أو لون.
إن استعادة الذاكرة النوبية ليست دعوة إلى إقصاء أحد، وإنما دعوة إلى استعادة جانب مهم من تاريخ السودان وحضارته. وهي أيضاً دعوة إلى الاعتراف بأن التنوع الذي نراه في بيوتنا ومجتمعاتنا ليس عيباً يحتاج إلى الإصلاح، بل حقيقة إنسانية يمكن أن تكون مصدر قوة إذا أحسنا التعامل معها.
لقد تعلمت من تاريخ أسرتي أن اللون لا يصنع وحده هوية الإنسان، وأن الأنساب لا تمنح أحداً حق التفوق على غيره، وأن اللغة لا تحكي وحدها كل قصة الماضي. وما نحتاج إليه هو أن نعرف أنفسنا كما نحن، وأن نعتز بجذورنا من دون أن ننتقص من جذور الآخرين.
خاتمة: التحدي أن نكون أنفسنا
أردت من هذا المقال أن أقدم صورة لبيت سوداني نوبي، لا باعتباره حالة استثنائية، بل مثالاً على التداخل والتنوع اللذين عرفهما المجتمع السوداني عبر أجيال.
لقد حملت أسرتي روايات عن النوبة والقراريش، وعرفت ألواناً مختلفة من البشرة، وعاشت في مناطق متعددة، وتأثرت بتحولات تاريخية واجتماعية كثيرة. وفي كل ذلك رأيت أن الهوية لا تختصرها سحنة، ولا يحسمها اسم، ولا تستنفدها رواية واحدة عن النسب.
أما النقاش الذي أثاره الباقر العفيف، وما تطرحه الدراسات التاريخية واللغوية عن جذور السودان، فيدعونا إلى مواجهة أسئلتنا بشجاعة، وإلى ألا نخاف من البحث عن الحقيقة. فالمعرفة لا تهدد الإنسان الذي يعرف قدر نفسه، وإنما تساعده على التحرر من الأوهام والأحكام المسبقة.
التحدي إذن ليس: أيُّ الألوان أرفع؟ ولا أيُّ الأنساب تمنح أصحابها مكانة أعلى؟ التحدي هو كيف نحفظ جذورنا وكرامة بعضنا بعضاً، ونبني وطناً لا يتحول فيه اللون إلى امتياز، ولا الأصل إلى تهمة، ولا الاختلاف إلى سبب للإقصاء.
نحن أبناء السودان، بتاريخنا المتعدد وجذورنا المتداخلة. ومن حقنا أن نعتز بالنوبة وكوش ونبتة ومروي، كما أن من حق الآخرين أن يعتزوا بتاريخهم وثقافاتهم. وليس بين الأمرين تناقض، ما دمنا نؤمن بأن الكرامة الإنسانية واحدة، وأن التنوع لا يبرر التمييز.
إن التحدي الحقيقي هو أن نكون أنفسنا؛ أن نعرف جذورنا، ونصون ذاكرتنا، ونحترم الآخرين، من دون أن نحتاج إلى إنكار جزء من تاريخنا أو اختراع هوية بديلة كي نشعر بقيمتنا.
ahmedsidahmed.contacts@gmail.com
