تأمُلات
كمال الهِدَي
طالعتُ في إحدى الصحف الإلكترونية مادةً بدت أقرب إلى الرأي المبطّن؛ وأقول ذلك لأن كاتبها بدا وكأنه يحاول التعبير عن وجهة نظر معينة بشيء من المواربة، ولا أدري سبب ذلك.
وعموماً، تحمل المادة بين طياتها تناقضاً صارخاً.
تقول المادة، التي حملت عنوان:” الحفل الثاني لم يغير المشهد: هل تنأى نانسي عجاج بنفسها عن السياسة؟” ، إن حفل الفنانة نانسي في القاهرة لم يحقق النجاح المرجو، رغم “الإعلان المكثف وحملة التشويق التي لجأت إليها الفنانة نانسي” .
وقبل التعليق على المادة المذكورة، لا بد أن نشكرهم على اعترافهم بحقيقة أن نانسي فنانة، وليست قونة أو مجرد مؤدية من ذلك النوع الذي يروّج له إعلام غير مسؤول، فيسهم بذلك في تخريب ذائقة المستمعين، كما ذكرت في منشور سابق حول الموضوع نفسه.
فالفنانة تختلف قطعاً عن القونة أو المؤدية، وبما أن نانسي فنانة ذائعة الصيت، فهي لا تحتاج إلا إلى إعلان يحدد مكان الحفل وموعده؛ إذ يكفي ذلك ليتدافع محبو الفن الجميل والعارفون بقيمته إلى حضوره، حتى لو أُعلن عنه قبل يوم واحد فقط. أما ورود عبارات في المادة من قبيل: “الإعلان المكثف” و”حملة التشويق”، فيوحي بوجود غرض يتجاوز مجرد الوصف. وعموماً، فإن من يحتجن إلى مثل هذه الحملات هن من يصنعهن الإعلام ويمنحهن نجومية لا تسندها الموهبة، لا فنانات راسخات مثل نانسي وفدوى وغيرهما.
فأمثال نانسي لا يحتاجون إلى صحفيين فنيين يُلمعونهم، ولا إلى مواقع تختار أكثر صورهم جذباً، ولا إلى حوارات بائسة للترويج لهم، كما يحدث مع بعض المؤديات والمذيعات والشخصيات التي تستمد قيمتها من حملات الترويج المتكررة لإقناع البسطاء وأصحاب الذائقة المتدنية بأنهن نجمات جديرات بالمتابعة.
وتضيف المادة ذات الغرض: “نشطت العديد من الصفحات في الإشارة إلى أن نانسي فقدت جانباً كبيراً من نجوميتها وجماهيريتها، معتبرةً أن قطاعاً من السودانيين لم يعد قادراً على التماهي مع الفنانين الذين لم يعلنوا، من وجهة نظرهم، موقفاً واضحاً في دعم الشعب السوداني خلال محنته الأخيرة”.
ورغم أنني لا أفهم الصياغة” نشطت العديد من الصفحات في الإشارة إلى أن نانسي… ” لكن دعكم من ذلك.
وتختتم المادة بالقول:” وهو ما يراه أصحاب هذا الطرح رسالة واضحة من الجمهور بأنه لم ينس مواقفها، وأنها ستظل تدفع ثمنها جماهيرياً، ما لم تنأَ بنفسها تماماً عن السياسة”.
وهنا يفرض السؤال نفسه: كيف يلومون نانسي على عدم دعم الشعب السوداني في محنته، وفي الوقت ذاته يقترحون عليها النأي بنفسها تماماً عن السياسة؟ أيّ تشويش على الوعي يمارسه معدو المادة، وأيّ تناقض صارخ يقعون فيه!
والأعجب، والأكثر إيلاماً، مما تنشره بعض صحفنا ومواقعنا، أن هذا الموقع تحديداً احتفى قبل أسابيع معدودة بوداع شخصية كانت تناصر حميدتي بحماس منقطع النظير قبل نشوب الحرب الحالية، ومعلوم أن حميدتي هو قائد الجنجويد الذين يمثلون جزءاً أصيلاً من أسباب محنة السودانيين التي يرون أن من واجب نانسي أن تدعم شعبها فيها.
كما أن موقع الصحيفة ذاتها كثيراً ما أفرد مساحات لقونات يتكسبن من مواقف سياسية زائفة وغير أصيلة، بغرض تحقيق الشهرة والحصول على المال، مع أن المبدع عموماً، سواء كان فناناً أو درامياً أو إعلامياً، يُفترض أن يكون داعماً للسلام والأمن والاستقرار؛ فهذا هو الدعم الحقيقي الذي ينبغي أن يقدمه المبدع لشعبه.
لم نسمع لهذا الموقع صوتاً بشأن التناقض الذي تقع فيه كثيرٌ من القونات الداعمات للحرب، وهنّ يُحيين حفلاتٍ باذخةً في عديدٍ من البلدان لإلهاء الشباب، في الوقت الذي يُفترض أن يُساند فيه هؤلاء الشباب الجيش الذي يعلنّ دعمهن له. فحتى أصحاب الموقف الخاطئ ينبغي أن يكونوا مبدئيين في تبني موقفهم، وإلا تحولوا إلى مجرد أرزقية يتكسبون من وراء هذا الجيش.
وعموماً لا أفهم إطلاقاً أن يكون دعم المبدع لشعبه عبر التحريض على القتل والدمار، أو عبر ملء المساحات الإعلامية بقضايا انصرافية وخلافات تافهة بين المطربين والمطربات، لا تهدف إلا إلى إلهاء الناس وإهدار وقتهم فيما لا يفيد، والحط من ذائقتهم التي تراجعت كثيراً بفعل إعلام لا يعنيه سوى الكسب المادي والمعنوي.
kamalalhidai@hotmail.com
