بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
تعلمت وأنا في المرحلة الثانوية أن أكتب لأوثق. عقود مرت. بدأت في الوطن القديم، ثم العراق طالباً في كلية الطب بجامعة بغداد، ثم طبيباً مبتدئاً في الإمارات العربية المتحدة، وأخيراً حاملاً حقيبة الغربة في أوروبا منذ عقود. اليوم أكتب أيضاً لأوثق. لكن هذه المرة، أكتب لأنني فقدت كل ما وثقت في ماضي حياتي وراء البحار.
كنت أملك إرشيفاً مرتباً. مخزون ألبومات صور نادرة أحتفظ بها منذ المدرسة الابتدائية . سندات ووثائق. أشياء لا تُعرف قيمتها إلا بعد الفقد. ذاكرة الإنسان قد تضعف أو تتلاشى بطول العمر، لكن الصورة الفوتوغرافية تظل كما هي. ذاكرة الماضي. وذكريات تفاصيل زمانه ومكانه. حتى إن تغيرت الأماكن، فإنها تبقى تاريخاً يُذكر ويحن لها المرء . أيضاً، الصورة مرآة الحاضر، وتَخَيَّلُ المستقبل المجهول المرتجى.
ثم جاءت هذه الحرب اللعينة!.
تركت كل شيء. كل ما كنت أمتلكه من جهد سنين الاغتراب في الإمارات. عهدة خلفي بإشراف أحد أشقائي، الذي كان نعم السند والمرتجى. يوفي ويفي. يعمل في صمت. يخدم غيره. “مولانا الطاهر” الذي لا ينتظر جزاءً ولا شكوراً. تركت هناك تاريخ عائلتي ومرحلة كاملة من حياتي بينهم، وصور من رحلوا. تركت أوراق تثبت ما أملك، سندات مهمة. كلها ذاكرة عزيزة قيمة عندي، كانت في الصون والأمان، كنت أظن أنها ستبقى حتى بعد موتي. ترثها أجيال من بعدي.
في هجمة ساعة مباغتة، كل ما تركته راح… سُرق بعنف وتشفي.
وفي ذلك اليوم المشؤوم، وقبل تلك السرقة، خرج أشقائي وشقيقاتي يحملون فقط ملابسهم التي كانت تسترهم. وتركوا من ورائهم كل البيوت والشقق والسيارات والغالي والنفيس. أثاث، ومجوهرات، حواسيب ومكتبات. ودعوا كل الذكريات، تركوها من خلفهم تحتضنها جدران لو كانت تنطق لبكت لوحشة فراقهم، وضياع كل شيء بعد أن استُبيحت كل البيوت. والآن، أعيش في أوروبا. لكن بلا ذاكرة. إنها حرب لعينة سرطانية غاشمة صفعت وجه كل سوداني يعيش على هذه الأرض وأخلت جيوب من كان في جيبه القليل الذي يستره.
الأصعب ليس فقط أن تفقد. الأصعب أن لا تستطيع أن تثبت أنك فد فقدت. فالذين سرقوا أخذوا كل ما أملك. هو بالتأكيد غالٍ ونفيس عندي. لكنهم لن يستفيدوا من أغلى ما فيه. كل الصور واللوحات التي تعبت في رسمها وتلوينها وإبرازها في إنجلترا، لا تساوي شيئاً عندهم. لأنهم لا يفهمون معناها. ولا يقدرون قيمتها. السندات والكتب لن تنفعهم. لكنهم أخذوها، ولأنهم سرقوها، لا أستطيع اليوم إثبات أنني كنت أملكها. كل الوثائق ضاعت. يعني الدليل سُرق.
فكيف يتم تصديقي إذا ذهبت لأقرب مركز شرطة للتبليغ؟ من الذي يصدقني في زمن تفشى فيه الفساد والكذب والرشوة وفقدان الأمانة؟ هكذا تتعقد الأمور. ليس عندي وحدي. بل عند كل متضرر من جرم هذه الحرب الضروس الخاسرة. وتصبح في النهاية، الحياة بلا معنى. لأن الإنسان مهما يدفع من دمغات و يبيّن التفاصيل في ملف “عرض حاله”، سيظل قوله عند السلطات مشكوكاً فيه. يا لجمالها من لوحات رسمتها بيدي في إنجلترا، فحملتها إلى الخرطوم على أمل العودة النهائية لتبقى في مكان آمن في الوطن. كل لوحة كانت تحمل ساعات جهد وتفكير من عمري. والآن، لا أعرف أين هي. ربما في يد من لا يعرف حتى على أي جهة يعلقها.
لكن القصة أكبر مني وحدي. هناك فقد أكبر من ما فقدته أنا. يجب أن أعيد ذكراه للناس. هو ما فقدته الدولة نفسها. أولاً، جراء هذه الحرب فقدت الدولة أغلى ما في الوطن: الإنسان الذي قُتل أو هُجّر نازحاً مقهوراً. وثانياً، دُمّرت البنية التحتية في العاصمة والأقاليم، وانهار الاقتصاد والقيمة الجنيه السوداني ، وتضخمت الضرائب، وكثرت الجبايات، وجيوب المواطنين الذين بقوا أو عادوا للوطن وهي أصلاً خاوية لم تسلم. وثالثاً، لا ننسى “والتاريخ لا ينسى”، أن نفس الدولة تحت حكم نفس النظام من قبل قد فقدت الكثير من أغلي ممتلكاتها بعد أن باعتها. أو باعها مسؤولون يتبعون لها، أو مجهولون بينهم مواطنون سودانيون. حتى الأوقاف لم تسلم. ثم قالت: “نحن نحقق”. ورحم الله الكاتب الأديب الفاتح جبرا، الذي كان يشهر سيفه الناطق بقول الحق، دفاعاً عن حقوق الوطن المهدورة. والشعب يموت جوعاً وعطشاً ومرضاً، و نتيجة هذه الحرب و الفقر والإهمال والتهميش رجعت الدولة بالمواطن مائة سنة إلى الوراء .
التاريخ يقول: خط سودانير في هيثرو. بيع. أُصدرت مذكرات اعتقال دولية بحق أشخاص كثر. ثم؟ لا شيء. لا محاكمات. لا استرداد. ثم فجأة يُقال: “عاد الخط”. من أعاده؟ كيف؟ بماذا؟ لا أحد يعرف. لا أحد يسأل. هل عاد فعلاً؟ لم نسمع بذلك هنا في المملكة. سمعنا أن طائرة نقل ركاب سودانية، لعلها بدر، فتحت خطاً بين الخرطوم في مطار غاتويك، وليس هيثرو، في لندن. ولا تزال سودانير العجوز المتهالكة تسير في خطها الأعوج. واتفاقيات تدور حولها بالسوداني “غُلْوطِيَّات”، و أكثر من سؤال من مختصين يعرفون بواطن الأمور .
بيت السودان التاريخي الشهير في روتلاند غيت بلندن. قيل إنه بيع بـ 16 مليون جنيه. وفي نفس الشارع، بيع بيت آخر بـ 315 مليون جنيه. أي بيع بـ 5% من قيمته الحقيقية. لشركة “أوفشور” لا يُعرف من يملكها. والأموال مرت عبر بنوك في “جزر القنال”. لجنة تحقيق كالعادة. عريضة واحتجاج. ثم… لا شيء. القائمة تطول.
ومع كل جريمة، يتكرر نفس السيناريو. تُكشف الجريمة. تُشكَّل لجنة تحقيق. تُنشر بعض التفاصيل. ويُقال: “القضية تحت التحقيق”. ثم يموت الشاهد، ويموت التحقيق بصمت. ويتم النسيان في ذاكرة وطن بأكمله. هل هذا تستر على الجرائم في حق الوطن، نتيجة فساد عام استفحل؟ أم فشل نظام يحكم البلاد وباسم الإسلام؟ أعتقد الاثنان مجتمعان هما السبب.
أنا مواطن محدود الدخل والممتلكات “رزق اليوم في اليوم”. ومن هم مثلي بالملايين كثر. فقدت أرشيفي الذي أعتمد عليه، ولا أستطيع إثبات أنني كنت أملكه. قد أحلف، لكن من سيصدقني؟ بالمقابل، الدولة التي فقدت بيتها وخط طيرانها في لندن، تستطيع أن تثبت ذلك إن صدقت وأرادت وخافت رب العالمين . لكنها تتغاضى، ولا تريد. لها فقهها وفتاويها. الفرق بيني وبين الدولة ليس في القدرة على التوثيق أو إثبات ضياعه. الفرق في الإرادة. الإرادة الصادقة. والشجاعة في مواجهة الحقيقة وتعريتها لشعبها. أنا أريد أن أسترد ما فُقد، ولا أستطيع. والدولة تستطيع أن تسترد ما فُقد، ولا تريد. فمن المجرم الحقيقي؟ هل هو الذي سرق أرشيفي؟ أم الذي سمح لنفسه أن يبيع وطن أربعين مليوناً، ثم شكَّل لجنة، ثم نسي أو تناسى؟
إذن، ما قيمة ضرورة التوثيق إذا كان كل شيء يمكن أن يُسرق؟ الصور تُحذف. السندات تُحرق. الأرشيف في دار الوثائق الوطنية والمتاحف والإذاعة والتلفزيون؟ يُنهب. وحتى الذاكرة تضعف وتتلاشى وتخون. فمن يضمن أن كل ما يُوثَّق اليوم سيبقى مؤمناً لغدٍ يُرتجى بزوغ شمسه؟ لا أحد يضمن.
ختاماً، فقط أذكر نفسي وأقول: إنني سعيت وفي حياتي وفقني الله فكتبت وجمعت ما قدر لي من مستندات وصور ومقتنيات، أعتبرها إرثاً هاماً لي ولأسرتي. وإن ضاعت، لا ألوم نفسي أنني قصرت. فأنا على يقين أنني وثقت ما فيه الكفاية وعملت على حفظه. لكن الدولة هي التي قصرت في حقي وحق غيري من هم مثلي، والتقصير الأكبر في حق الوطن من ممتلكات وإرث تاريخي كان عظيماً هو فخر الوطن كله ، فضاع كل شيء . ومع ذلك، رغم الصدمة سأواصل الكتابة، مذكراً جيلاً شاباً بيننا أن الوطن وطنهم، والمستقبل هو الورثة الذين ينتظرونهم. وليكن سؤالي لهذا الجيل الشاب الصاعد: “أين كباركم من الطريق الصحيح؟ للأسف، لقد ضللناكم.” فهل ستتبعون خطواتنا عمياً وصماً وبكماً… وتضيعون؟. أحذروا التبعية العمياء.
هامش:
عاد شقيقي مولانا الطاهر كغيره من القاهرة إلي الخرطوم خلال هذا الأسبوع. وبعد تفقده الأماكن التي تعرفنا ونعرفها… نحن لها وتحن لنا ….كانت الصدمة. قال لي في كلمات تلغرافية، لكنها جاءت جداً معبرة : “فعلوا ما فعله المغول بالعراق .. لكنه أفدح و أخزى ، لأن الفاعل سوداني و شعاره الله أكبر … عشنا ما عاشه أهل بغداد قبل أكثر من آلف سنه … و ليس من رأى كمن سمع”!. عشت معه تلك الصدمة وأواسيه وكل أسرة تضررت ، بهذا المقال من هنا، على البعد، لأنه فقد كل ما كان يملك وما أؤتمن عليه، وهو الأمين، واليوم قد شاهد وشهد على آثار الدمار والبيوت المتضررة وخاوية. ربنا يصبره والجميع . ماذكرته هنا اكيد يحكي عن حال ملايين البشر من السودان الذين شردتهم هذه الحرب وجردتهم من كل رصيد العمر وجهد السنين -لا بارك الله في هذه الحرب ولا في أهلها ولا في عقول ساهمت في تدبيرها وإشعالها. الرحمة والمغفرة للذين أهدرت دماؤهم والذين فاضت أرواحهم اثناء سفر الهروب أو في مناطق النزوح البعيدة القاسية.إنا لله وإنا إليه راجعون. يا رب نستوصيك الوطن فأحفظه وخيراته وأهله وحدوده.
عبدالمنعم
