التوحش وصناعة ثقافة اللاعنف (2) .. بقلم: د. آمال عوض محمد الحسن/ ميدراند- جنوب أفريقيا
28 مايو, 2015
منشورات غير مصنفة
43 زيارة
بسم الله الرحمن الرحيم
رؤيتى
amalelhassan@hotmail.com
فى الجزء الأول من هذا المقال تعرضنا للازدياد المضطرد والمتنامى لظاهرة التوحش والعنف الوحشى فى أجزاء كثيرة ومتفرقة فى العالم، كما أشرنا الى أن المغالاة والتطرف فى إستخدام أساليب ووسائل عنف وحشية ومرعبة كادت تكون فى معظم الأحيان ممارسة ممنهجة ومنظمة وشبه يومية خصوصاً فى مناطق الصراعات والنزاعات والحروب وما أكثرها فى عالم اليوم المضطرب المشحون بالمشاكل والتحديات المختلفة.
وأيضا أستعرضنا بعض النماذج والأمثلة التى تصور بعض حوداث العنف والأيذاء والقتل الوحشى وما أدت اليه من إفرزات وأثار سالبة فى مسارات الحياة المختلفة سواء بالنسبة للأفراد أو المجتمع بأسره.
وبدءا على ماأختتمنا به هذا الجزء الأول من المقال .وهوالسؤال الذى يقول(كيف يمكننا أن نغير المسار وننتشل أنفسنا وننقذ الأجيال القادمه؟ وماهى المصدات الإستراتجية التى تمكننا من بناء نظام قوى وقادر أساسه القيم النبيلة والأخلاق الإنسانية المحضة على الحب والتسامح والحرية والمساواة والعدالة والمنبثقة من ثقافة اللأعنف). وإ جابة هذا السوال ظلت وما زالت واحدة من أهم و أعقد الاجابات على مستوى العالم ومازال المهتمون والباحثون عن السلام والمدافعون عنه يبحثون ويكتبون ويقدمون إستراتجيات ومشاريع الحلول ذات التوجهات والرؤى المختلفه، مثلا البعض يرى أن مواجهة العنف والإرهاب يجب أن تكون بإتباع الإستراتجيات والوسائل الأمنية والعسكرية وأخرون يجنحون للحلول السياسية والتفاوض السلمى. ومن الملاحظ أن الحلول العسكرية والأمنية هى الأكثر جاذبية وأستخداماً ولكن وحدها لن تجدى، فقد تنجح على المدى القصير فى القضاء على بعض أشكال العنف والإرهاب بيد أن التجارب أثبتت أنها سياسه عقيمة ولايمكن أن تنجح على المدى الطويل أذا أن العنف دون معالجات موضوعية لمسبباته لن تخمده وتقضى عليه البندقية وحدها.
واستنادا على ذلك نقول أن العنف سواء أن كان فرديا أوجماعيا (أى تقوم به مجموعة معينة ذات أهداف وميول ومصالح واحدة أومشتركة لتحقيق أهدافها)، له دوافع ومسببات تختلف من فرد لأخر من جماعة أومجموعة لأخرى، وفهم تلك المسببات والدوافع بصورة دقيقة وعلمية شاملة يساهم فى وضع حلول منطقيه ومرضيه ويمكن أن تطبق بصورة عملية تحد وتحجم العنف الى أقصى درجة ممكنة مما يؤدى فى نهاية الأمر ألى القضاء عليه بشكل نهائى أوموته بزوال الأسباب.
على الرغم من أن كافة أشكال وأنواع العنف ودرجاته المختلفة تعنى إستخدام شكل ودرجة من القوة بدلا من الحوار والإقناع لتحقيق الأهداف الخاصة أو محاولة تطبيق تلك الأهداف على الأخرين بالإكراه أو أجبارهم على الإبتعاد وتعريضهم للإذلال وسلبهم حقوقهم الطبيعة فى العيش بحرية وكرامة أو تصفيتهم نهائياً، بالرغم من هذا إلا أنه من غير المفيد أن نلجأ ألى معالجة العنف بالعنف وحده أومن خلال حلول وإستراتجيات ذات قوالب جامده وأسلوب رؤية أحادية ، إذ أن العنف ليست كتلة أو عملية متشابهة الاسباب ولا متجانسة العوامل والدوافع، مثلا حوداث العنف والإيذاء فى جنوب أفريقيا تختلف عن تلك التى تحدث بالصومال وحوداث العنف التى تحدث بالعراق تختلف فى أسبابها عن التى تقع فى أمريكا على الرغم من أنه قد تكون هنالك روابط ما بين بعضها من حيث الهدف خصوصا أعمال العنف المورتبطة بجماعة ذات أفكار ورؤى متطرفة، عموماً الأمثله كتيرة والتباين واضح ولكن رغم التباين يمكن أن نقول بصورة إجمالية عامة أن العنف يجب أن لا يعالج بإستراتجيات وحلول تعزله ولا تعبر عن مسبباته الإجتماعية والبيئة و التاريخية الفكرية، و التى لا تخرج فى عمومياتها عن كونها إما أسباب:-
ذات طبيعة شخصية وذاتية وهى التى تتعلق بالظروف النفسية والاجتماعية والبيئة لشخص معين أدت ألى أن يسلك سلوكاً عنيفاً تجاه نفسه أو تجاه الأخرين ومثل لذلك الشخص الذى يعانى من أضطربات ومشاكل نفسيه تدفعة للسلوك العنيف، وحتى هذة الدوافع يجب أن تحلل تحليلا دقيقاً لمعرفة ما أذا كان هذا الشخص يعانى من المرض بالورثة أو بفعل مؤثر خارجى مثل المخدرات أو الوقوع ضحية لعمليات غسيل المخ والتدمير الذاتى والمجتمعى التى تقوم بها بعض الجماعات المتطرفة و التى تسعى إلى ربط العنف بمنطلقات وأسس فكريه وثقافيه تهدف من ورائها لتبرير العنف وجعله سلوكاً مقبولاً. وهنا نشير ألى أن اللجوء إلى الحلول العقابية الأمنية وحدها لن يحل المشكلة بل قد يؤدى ألى تفاقمها وزيادة توحشها، عليه فإن إستراتجية العلاج قبل العقاب تكون أنفع وأثمر فى مثل هذه الحالات.
هنالك أيضا الأسباب السياسية والإجتماعية، و التحليل المتعمق لواقع كتير من المجتمعات فى عالم اليوم يشير ألى وجود العديد من الاختلالات الاجتماعية والسياسية الكبيرة التى تعانى منها العديد من المجتمعات ألتى لم تسطيع أن توجد وتؤسس الأطر والبيئات الملائمة للتغيير الذى أنتظم كافة أرجاء العالم وأدى إلى بروز و سيادة مفهوم ونظام العولمة والذى قاد ألى بروز العديد من التحديات والأزمات ذات الطبيعه الحادة والعنيفة فى تلك المجتمعات ذات الأنظمة السياسية والإجتماعية المنكفئة من تلك أبرز تلك التحديات:-
1/ التصارع الحاد بين التقليدية والحداثة.
2/ أشكالية التنوع والاختلاف وقبول التعدديه.
3/ محنة الهوية والتجاذب الثقافى.
4/ أزمة الفكر بين التطرف والتعصب والإعتدال.
5/ إنهيار وتمزق النسيج الإجتماعى وبروز العصبية والقبلية.
6/ التكبر والاستعلاء المادى والعرقى وسحق وقهر الفقراء والضعفاء والمهمشين.
7/العنصرية ورفض الأخر وإذلال الأجانب.
ومن الواضح أن هذه التحديات والقضايا شكلت ومازالت تشكل مصدر خوف ورعب لكثير من الأنظمة التى أن تحكم شعوبها وتتحكم فيهم وفقاً لأساليب ومناهج تعتمد على التسلط والقهر والانكفائية والتشبث بالسلطة بدعوى حماية شعوبها ومواطنيها من إفرازات الحداثة وتأثيرات العولمة السالبة، ففى مثل هذه البيئات المتخمة بالتناقض والمتناقضات وسيادة إستراتجيات الأمن والعسكر ودكتاتوريات محبى السلطه يتحول العنف الى ممارسة ممنهجة ويكون التوحش أداة للتطويع وإذلال كل من يحاول البحث عن حلول حقيقيه للخروج من قمم العنف وسياط القهر والتسلط والعيش بكرامة وإنسانية.
لكن الواقع الراهن فى كثير من تلك الدول والمجتمعات يشير إلى إزدياد التدهور وإنعدام مظاهر الحياة الكريمه والإنسانية وتحول الحياة الى مسرح كبير تعرض فيه مسرحيات العنف الوحشى الذى يقتل الرضيع و الشيخ الكبير والأسير ويختطف ويغتصب النساء والفتيات، ويغذى روح العصبية والقبلية والعنصرية والتطرف الدينى والفكرى ويحول المؤسسات التعليميه الى قواعد عنف و ساحات قتل وصدامات مسلحة ويسعى بكل السبل لبناء الحواجز التى تفرق بين أبناء البلد الواحد. ففى مثل تلك الظروف المتسلطه والقاهرة يتولد العنف ويتوحش ويكون الحل الأوحد هو السعى الجاد لإقامة مجتمع المواطنة والعدالة وإستبدال أنظمة القهر والقمع والعنف بأنظمة حرة وديمقراطية عادلة تحترم الحقوق و تحض على مبادئ العيش والتعايش السلمى وتعميم ونشر ثقافة ألاعنف
و أخير، وهى الأخطر ما يمكن تسميته بالدوافع والأطر الفكرية والثقافية للعنف. لقد ميز الله سبحانه وتعالى الأنسان بالعقل وحثه على التفكير وإعمال العقل بإستمرار بحثاً عن الحقيقة مما يعنى ببساطة رفض كل ماهو غير عقلانى وغير مقبول إنسانياً وإجتماعياً، من هنا سعت وإجتهدت ولا زالت بعض الأنظمة والجماعات التى تتخذ العنف سبيلاً لتحقيق أغراضها عن طريق إيجاد قواعد وأسس فكرية تؤطر للعنف حتى يرسخ فى أذهان ممارسيه كثقافة لها مايسندها ويدعمها من أسانيد ومرجعيات.
والشاهد أن ثقافة العنف كشكل من أشكال ثقافات الإنحطاط الفكرى والإنكفاء والإنغلاق الظلامى بدأت تجد لها أرضا خصبة لدى أفراد ومجموعات تعانى أصلا من ظروف القهر والاحباط والتسلط الأسرى والمجتمعى مما جعلهم فريسة وهدفاً سهلا للتغذية الفكرية المضللة والمضلة التى تغذيهم بالأفكار والرؤى الرامية لجذبهم وتجنيدهم وذلك عن طريق إتباع إستراتجيات وخطط ممنهجة تستخدم كافة الوسائل الحديثة والعصرية لمحاربة حملة مشاعل العلم والنور والتحديث وتعمد لتشويه صورتهم وأفكارهم و توجية الإنتقادات المدمرة لمعنوياتهم والمحطمة لسمعتهم العلمية والإكاديمية والطعن الصريح فى معتقداتهم الدينية، كل ذلك من أجل إقناع تابعيهم أو المستهدفين خصوصاً الشباب، بأن هؤلاء العلماء والمفكرين يساندون ملة الكفر والباطل ويسعون لتمكين الغرب والثقافة الغربية الهدامة التى تقود ألى نار جنهم فى نهاية المطاف والغريب فى الأمر والمضحك فى ان واحد، أن معظم المتطرفين هؤلاء نهلوا من الثقافة الغربية وتعلموا فى بلاد الكفر والشيطان الأكبر كما يسمونها
من يتمعن النظر فى كتاب (إدارة التوحش ..أخطر مرحلة ستمر بها الأمة ) لمؤلفه أبوبكر الناجى، يدرك تماماً أن مثل هذه المؤلفات وغيرها كثير تؤطر للأساس النظرى والتنظيمى الفكرى لجعل العنف ثقافة ذات تبرير وقبول كما ذكرنا سابقاً وبالتالى تجد من ينفعل معهاويسهل عليه تبنيها وإتخاذها قاعدة إستراتجية ممنهجة وممرحلة لتحقيق الهدف وقيام دولة القهر والتسلط، كما يقول الناجى فى كتابه ( الدولة التى يراد تكوينها تمر عبر مراحل منها مرحلة التوحش ثم مرحلة التمكين التى تؤدى إلى قيام الدولة).
عليه يتوجب الوقوف بقوة ضد مثل هذه المحاولات و الأفكار الت تسعى لتأسيسولإشاعة هذه الثقافة السوداء وضرورة رفضها وتعريتها بإسترتجيات التوعية والتثقيف والتعليم والمواصلة الجادة فى البحث والتجديد ومقاومة التسلط والقهر والأنكفاء والانعزال بمزيد من الحريات والإنفتاح الواعى.وتشجيع وتدعيم كافة المبادرات الرامية لنبذ العنف ونشر ثقافة السلام واللأعنف
/////////////