أعادت إلينا المجزرة التي شهدتها كنيسة في الأردن، حين أطلق مسلحون النار على أشخاص كانوا يشاركون في جنازة، فقتلوا ثمانية أشخاص وأصابوا آخرين، سؤالاً مؤلماً عن جذور التطرف الديني، وعن دور الموروث الفقهي في تشكيل الوعي الذي قد يبرر العنف ضد المختلفين في العقيدة. ولا يعني ذلك أن دوافع الجناة قد ثبتت، بل إن الحادثة تفرض علينا مساءلة الأفكار التي يمكن أن تمنح العنف غطاءً دينياً.
ومن بين المسائل التي تستحق المراجعة مفهوم «جهاد الطلب» وبعض الأحكام الفقهية المتعلقة بغير المسلمين. فحين يُقدَّم القتال باعتباره واجباً دينياً يتجاوز الدفاع عن النفس إلى إخضاع الآخرين، يصبح من الضروري البحث في مصادر هذه الأحكام، وفي مدى اتساقها مع قيم العدل وحرية الاعتقاد والتعايش.
لكن ثمة مفارقة أخرى في التراث الإسلامي تتعلق بعلاقة السنة النبوية بالتقاليد اليهودية والمسيحية.
فقد اعتاد كثير من المسلمين الاعتقاد بأن التوراة والإنجيل محرّفان، بينما تكشف كتب التراث عن نقاش أكثر تعقيداً. فقد نقل البخاري في صحيحه عن ابن عباس تفسيراً للتحريف يتعلق بتغيير الكلام عن مواضعه، وهي مسألة لا تعني بالضرورة الإقرار بصحة جميع نصوص التوراة والإنجيل المتداولة اليوم. كما ناقش ابن تيمية المسألة، وميّز بين صور التحريف، ولم يجعل القول بالتحريف الشامل للنصوص جميعها أمراً مسلّماً به.
وتبرز أهمية هذه المسألة عندما نقارن بعض المرويات الإسلامية بالنصوص التوراتية. فخلق حواء من ضلع آدم، وأسماء أبناء نوح، وقصة الكبش في فداء ابن إبراهيم، وغيرها من التفاصيل، نجد لها نظائر في سفر التكوين، مع أن القرآن لم يذكر بعضها أو لم يوردها بالتفصيل نفسه. كذلك توجد تشريعات في العهد القديم لها نظائر في بعض الأحاديث والأحكام الفقهية.
إن هذا التشابه لا يثبت أن السنة النبوية منقولة بكاملها عن التوراة، لكنه يطرح سؤالاً مشروعاً: هل انتقلت بعض الروايات والتصورات الدينية القديمة إلى الثقافة الإسلامية عبر التفاعل بين الجماعات الدينية، ثم اكتسبت سلطة دينية عندما نُسبت إلى النبي أو أُدرجت في كتب التفسير والفقه؟
وهنا تكمن المفارقة: إذا كان بعض علماء المسلمين لم يسلّموا بوقوع تحريف شامل لكل نصوص الكتب السابقة، فإن دراسة العلاقة بين تلك النصوص والمرويات الإسلامية تصبح ضرورة لفهم تاريخ التراث، لا مجرد اتهام عابر.
إن نقد هذا الموروث لا يعني إدانة دين بأكمله، ولا تحميل جميع المسلمين مسؤولية جرائم المتطرفين. لكنه يعني رفض تحويل الروايات والاجتهادات التاريخية إلى أحكام مقدسة لا تقبل المراجعة، خصوصاً عندما تُستخدم لتبرير القتل أو الانتقاص من حقوق الآخرين.
إن مواجهة التطرف لا تكتمل بالملاحقة الأمنية وحدها؛ بل تحتاج أيضاً إلى مراجعة فكرية شجاعة للموروث الذي قد يستند إليه المتطرفون، والتمييز بين النص القرآني والرواية الحديثية والاجتهاد الفقهي. فالتعايش لا يقوم على إلغاء الاختلاف الديني، بل على رفض تحويله إلى مبرر للعنف.
طلعت محمد الطيب
