بقلم: لوال كوال لوال
لا يمكن قراءة تاريخ السودان الحديث بمعزل عن التجربة التي قادتها الجبهة الإسلامية القومية، ثم المؤتمر الوطني، منذ استيلائها على السلطة بانقلاب عام 1989. فقد تبنت تلك السلطة مشروعًا أيديولوجيًا لم يقتصر على إعادة تشكيل مؤسسات الدولة، بل امتد إلى إعادة صياغة المجتمع والجيش والأمن والعلاقات الإقليمية وفق رؤية عقائدية جعلت الولاء السياسي والفكري يتقدم على مفهوم الدولة الوطنية. في السنوات الأولى لحكم الإنقاذ، تحولت الخرطوم إلى مركز استقطاب للحركات الإسلامية من مختلف أنحاء العالم (تنظيم الإخوان المسلمون العالمي). فتحت الحكومة أبواب البلاد أمام شخصيات وتنظيمات كانت تواجه تضييقًا في بلدانها، ومنحت بعضها الإقامة والتسهيلات، وفي حالات معينة مُنحت الجنسية السودانية وفق السياسات السائدة آنذاك. وكان أبرز هؤلاء أسامة بن لادن، الذي أقام في السودان بين عامي 1991 و1996، واستثمر في عدد من المشروعات الاقتصادية، بينما استخدمت تنظيمات إسلامية أخرى السودان محطة للتنظيم والتواصل، وهو ما أدى إلى عزلة دولية متزايدة وفرض عقوبات على البلاد لاحقًا. كان ذلك جزءًا من مشروع أكبر، يقوم على الاعتقاد بأن السودان يمكن أن يصبح مركزًا للحركة الإسلامية العالمية. لكن هذه الرؤية لم تراعِ مصالح الدولة السودانية ولا تعقيدات موقعها الإقليمي، فدفعت البلاد ثمنًا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا باهظًا، بينما ظل المواطن السوداني هو الخاسر الأكبر. وفي الداخل، لم تعتمد السلطة على الجيش النظامي وحده، بل شرعت في إنشاء منظومة واسعة من القوات الموازية. فأنشأت قوات الدفاع الشعبي، وأعادت توظيف قوات المراحيل في الحرب الأهلية، ثم توسع لاحقًا الاعتماد على التشكيلات القبلية والمجموعات المسلحة في دارفور وغيرها من مناطق النزاع. وقد قامت هذه السياسة على مبدأ تسليح المجتمع واستخدام الولاءات القبلية والعقائدية لتحقيق أهداف عسكرية وسياسية آنية. وفي دارفور على وجه الخصوص، اهتمت الحكومة بتسليح مجموعات عربية ودعمها في مواجهة الحركات المسلحة، وهو ما أدى إلى تعميق الانقسامات القبلية، وتصاعد النزاعات حول الأرض والحواكير، وتحويل الصراع من خلافات سياسية إلى نزاعات اجتماعية امتدت آثارها لعقود. كما أُثيرت اتهامات بأن سياسات منح الجنسية والتجنيس لبعض المجموعات العابرة للحدود أسهمت في تغيير التركيبة السكانية في بعض المناطق، وهي قضية لا تزال محل جدل سياسي وقانوني حتى اليوم. لقد أثبتت التجربة أن الدولة عندما تستبدل المؤسسات العسكرية النظامية بميليشيات تدين بالولاء للأشخاص أو للأيديولوجيا، فإنها تزرع بذور أزمة مستقبلية يصعب احتواؤها. فالميليشيات قد تخوض معارك الدولة اليوم، لكنها سرعان ما تتحول إلى مراكز قوة مستقلة تمتلك السلاح والمال والنفوذ، وقد تنازع الدولة نفسها سلطتها عندما تتغير موازين المصالح. وهذا ما ظهر بوضوح في تطور قوات الدعم السريع. فرغم اختلاف ظروف نشأتها عن بعض التشكيلات السابقة، فإنها جاءت امتدادًا لنهج الاعتماد على القوات الموازية، حتى أصبحت قوة عسكرية كبيرة خارج البناء التقليدي للقوات المسلحة. وبعد سقوط نظام المؤتمر الوطني عام 2019، دخلت هذه القوة في مسار سياسي وعسكري مستقل، وانتهى الأمر بصدام دموي مع الجيش السوداني، دفع السودان ثمنه انهيارًا واسعًا في مؤسسات الدولة ونزوحًا ولجوءًا لملايين المواطنين. المفارقة أن بعض من كانوا يدافعون عن هذه السياسات لعقود يحاولون اليوم التنصل منها أو تحميل مسؤوليتها لآخرين، وكأن إنشاء الميليشيات، وتسليح القبائل، واستغلال الانقسامات المحلية، واستضافة الجماعات الإسلامية الدولية، لم تكن جزءًا من مشروع سياسي تبنته السلطة الحاكمة آنذاك (الحركة الإسلامية السودانية وجماعة الاخوان المسلمين). لكن التاريخ لا يُكتب بالإنكار، وإنما بالوثائق والوقائع والنتائج. لقد أثبتت التجربة السودانية أن بناء الدولة لا يتحقق عبر عسكرة المجتمع، ولا عبر توظيف القبيلة في الصراع السياسي، ولا عبر استيراد الصراعات الأيديولوجية من الخارج. فهذه السياسات قد تحقق مكاسب مؤقتة للنظام الحاكم، لكنها تُضعف مؤسسات الدولة وتفتح الباب أمام صراعات طويلة الأمد يصعب احتواؤها. إن الدرس الأهم الذي ينبغي أن يستخلصه السودانيون هو أن الدولة الحديثة لا يمكن أن تقوم على تعدد الجيوش، ولا على الولاءات العقائدية أو القبلية، ولا على سياسات التجنيس التي تخدم أهدافًا سياسية قصيرة المدى. فالدولة التي تُسلِّح المجتمع بدلًا من بناء المؤسسات، وتستبدل القانون بالولاء، تُنتج في النهاية قوى قد تنقلب عليها، وتدفع الوطن كله إلى دائرة من العنف والانقسام. ولذلك، فإن أي مشروع لبناء سودان مستقر في المستقبل يجب أن يبدأ بالاعتراف بأخطاء الماضي، ومحاسبة المسؤولين عنها، وإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة الوطنية، وإخضاع السلاح لسلطة الدولة وحدها، حتى لا تتكرر التجارب التي قادت البلاد إلى واحدة من أسوأ الأزمات في تاريخها الحديث لكن ما نراه الآن لا يبشر بالخير ولا بمستقبل مشرق للسودان في ظل تعدد الميليشيات المسلحة وموالاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟
lualdengchol72@gmail.com
