-الريح عبد القادر-
من أكثر العبارات التي استوقفني في الجدل الدائر حالياً بشأن تمثيل السودان في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة وصفُ السودان بأنه «دولة بلا وزن»، أو «دولة بلا قرار»، أو دولة «راكعة» لا يحترمها أحد.
وقد قرأت أخيرًا كلامًا غاضبًا يتساءل كاتبه: كيف تمنح الولايات المتحدة إيران تأشيرة لدخول الولايات المتحدة، وهي في حالة عداء وحرب معها، ثم تمنع تأشيرة رئيس مجلس السيادة السوداني؟
قد تكون المفارقة جديرة بالنقاش، لكنني أظن أننا نخطئ الهدف إذا انتقلنا منها مباشرة إلى لوم «الدولة السودانية».
أي دولة نقصد؟
هذه ليست مسألة لغوية، بل جوهر المشكلة.
ففي الأيام الفائتة، وصفت الولايات المتحدة وزير الخارجية السوداني، محي الدين سالم، في بيان رسمي، بأنه “SAF-appointed Foreign Minister”؛ أي «وزير الخارجية المعيّن من القوات المسلحة السودانية».
تأملوا العبارة قليلًا.
أن يصف الآخرون وزير خارجية السودان بأنه «مُعيَّن من القوات المسلحة» فإن ذلك يكشف، فيما يكشف، مقدار التداخل بين المؤسسة العسكرية والدولة.
فكيف نلوم الدولة كلها على ضعف سيادتها، بينما المؤسسة التي تستأثر بأكبر قدر من القوة داخلها قد أصبحت هي نفسها جزءًا من معادلة السلطة؟
هذه هي المسألة التي أظن أننا نتهرب منها منذ عقود.
الجيش السوداني ليس مؤسسة عادية. إنه المؤسسة التي تحتكر السلاح المنظم، وتستحوذ على قدر هائل من موارد الدولة، وتملك من القوة ما يجعلها قادرة على تغيير شكل النظام السياسي في لحظات.
وحين يتدخل الجيش في السياسة يختلط الحابل بالنابل، ويصبح الوضع في حد ذاته مشكلة، فكيف يمكن أن يحل مشاكل البلد؟
لنعد قليلاً إلى البداية.
لو أنّ عبود – رحمه الله – زهد في السلطة التي دُعي إليها، ولو أنه قال كلاما بليغا مثل كلام قائد هيئة الأركان العامة في الجيش السنغالي، لأصبح الجيش السوداني :فحلَ” الجيوش في المنطقة، ولكان السودان قد عبر إلى بر الأمان. ماذا قال الجنرال Mbaye Cissé؟ قال مقولة سجلها التاريخ ورفعت اسم بلده وجيشه فوق هامات الجيوش والبلدان: “الجيش ليس أداة للسياسة”.
فلنكرر ما قاله سعادته: “الجيش ليس أداة للسياسة!”
وأضاف سعادته، لا فض فوه: “إن إغراء السياسيين بإدخال الجيش في معترك السياسة أمر شديد الخطورة، وإن على العسكريين أن يفهموا دورهم وموقعهم في المجتمع ويحترموا السلطة المدنية.”
لكن، للأسف، عبود قيل له ” اركبْ!” فقال: “كَبْ”!
بالله ماذا كان يمكن أن يحدث لو بقي الجيش منذ ذلك الوقت بعيدًا عن لعبة السلطة؟
ربما لم يكن نميري ليأتي ليفتح شهية أجيال من الضباط للسلطة بألاعيبه الشعبوية.
ولكن قدر الله، وما شاء فعل، ولن نقعد للبكاء على اللبن المسكوب.
يجب أن نحدد المشكلة، فيظهر لنا الحل.
ليست المشكلة في وجود جيش قوي، بل في وجود جيش قوي سياسيًا، يعين الوزراء، والسفراء، ويحني ظهره لطلاب السلطة، ويسلم رسنه للقوى الخارجية التي تساومه على الشرعية.
فالجيش القوي الذي يخضع للدستور يحمي الدولة.
أما الجيش الذي يستقوي بسلاح الشعب على السلطة المدنية فإنه وبال على الدولة.
ومن هنا أفهم العبارة التي تقول إن السودان «دولة راكعة» بطريقة مختلفة.
ربما ليست الدولة هي التي ركعت.
ربما نحن أمام دولة أُُضعفت مؤسساتها المدنية، وتنازعت القوى المسلحة والسياسية السيطرة عليها، حتى أصبحت الدولة مجرد قناع تتخفى وراءه قوى لا ترعى مصلحة الشعب ولا تحترم هيبة الدولة.
وبذلك يصبح الجيش، ذلك الفرس الجامح، ظهرا ذلولا يمتطيه طلاب السلطة في الداخل، ورَسَنا سلساً تمسك به القوى المؤثرة في الخارج.
وهكذا تصبح السيادة شعارًا يُرفع كثيرًا، بينما تتآكل شروطها المؤسسية في الداخل.
ولهذا فإنني لا أرى إصلاح السودان إلا من خلال إصلاح علاقة الجيش بالدولة.
الجيش هو رمانة الميزان.
إنْ اعتدل الجيش، أمكن للمؤسسات الأخرى أن تعتدل.
وإذا مال، مالت معه الدولة كلها وانهارت.
ولكننا جعلناه ميزاناً للسلطة.
الحل: لا بد من جيش محترف، قوي، محترم، قادر على حماية البلاد، لكنه لا يحكمها.
ولا بد من سلطة مدنية، تصل بالوسائل الديمقراطية وتحكم وفق الدستور، ولا تحتاج إلى الاستقواء بالجيش كي تصل إلى السلطة أو تبقى فيها.
البعد الثقافي
بيد أن هناك طبقة أعمق من المشكلة تتجاوز السجال بين العسكريين والمدنيين!
لماذا يندفع بعض الناس أصلًا إلى السلطة؟
هنا نصل إلى البعد الثقافي، ذي الأهمية البالغة.
ثمة شيء في السودانيين يدفعهم دفعاً إلى الهرولة إلى كراسي السلطة.
والعسكري والمدني كلاهما إنسان، وكلاهما يمكن أن يقع في حب التميز والوجاهة والسلطة. لكن الفرق أن العسكري يمتلك، بحكم موقعه، القوة التي يمكن أن تحول هذا الشغف بالتميز إلى سلطة فعلية.
النجوم والشارات والرتب ليست مجرد قطع معدنية على الكتف. إنها تتحول، في مجتمع مأخوذ بفكرة التفوق والوجاهة، إلى صناعة للامتياز.
ولهذا فإن إصلاح المؤسسة لا يكفي وحده.
نحن بحاجة أيضًا إلى إصلاح الفكرة التي تجعل السلطة تشريفًا، والمنصب امتيازًا، والرتبة تفوقًا على الآخرين.
وهنا يأتي مشروع التواضع الوطني السوداني.
ليس التواضع الذي يعني الضعف أو الخنوع أو قبول الظلم، وإنما التواضع الذي يهدم وهم الاستعلاء.
التواضع الذي يقمع الولع بالفخر.
نحن بحاجة إلى تربية مواطنين ليس همهم السعي إلى تحقيق الفخر، بل مواطنين يعفّون عن التفاخر، وتأبى نفوسهم التعالي.
التحدي الذي يواجهنا هو أن نقنع أنفسنا بأن القيمة الإنسانية والأخلاقية لا تمنحها له النجوم، ولا النياشين، ولا المناصب!
نحن لا نحتاج إلى جيش بلا قوة.
بل نحتاج إلى جيش بلا شهوة سلطة.
ولا نحتاج إلى جيش نفتخر به.
بل نحتاج إلى الشفاء من حب الفخر في الأساس.
ولا نريد أن يكره المدنيون جيش بلدهم.
بل نريد أن يؤمن المدنيون بأن الجيش مِلك للوطن، لا ملِكًا على الوطن.
والإصلاح الحقيقي لا يبدأ فقط بالسؤال: من يحكم السودان؟
بل بالسؤال الأعمق:
لماذا يظن أي سوداني أصلًا أن امتلاك السلطة يحقق حلمه أو حلم والده؟
هناك، في رأيي، تبدأ المعركة الحقيقية.
وهناك أيضًا يبدأ مشوار التواضع.
