الجيش بين الضبط وتجديد أدوات التغيير

زين العابدين صالح عبد الرحمن
أن التعديل الذي كان قد أجراه القائد العام للجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان في هرم القيادة، هي ليست مسألة مرتبطة ب “الروتينية المؤسسية” في تغيير التكاليف الوظيفية أو الرتب العسكرية، أنما هي مسألة مرتبطة بتحولات سياسية إستراتيجية، تحاول فيها المؤسسة العسكرية أن تضبط الخطاب الساسي الصادر عن المؤسسة.. حيث أصبح هناك القائد العام بحكم منصبه كرئيس لمجلس السيادة، باعتبار أن وظيفة رئيس مجلس السيدة هي وظيفة مدنية سياسية، و الثاني هو مساعد القائد العام لشؤون البناء و التخطيط الإستراتيجي، باعتبار أن التخطيط الإستراتيجي أيضا مرتبطة بالشأن السياسي، باعتباره تخطيطا مرتبط ببناء الدولة و ليس قاصرا على المؤسسة العسكرية..
ضمن هذه التحولات الجديدة في سياسة الجيش، جاء توجيه هيئة الأركان التي يترأسها الفريق أول ياسر العطا (بحظر تعليقات العسكريين عبر الميديا و تتوعد المخالفين بإجراءات قانونية) رغم أن توجيه هيئة القيادة مسألة مرتبط بالانضباط في الخطاب، و خاصة السياسي، إلا أن التوجيه يعد جزء من عملية تغيير في السياسة العامة لقيادة الدولة و فتح باب تقديم الأفكار لمستقبل بناء السودان.. و ذلك من ناحيتين.. الأولى رسالة لكل القوى الشعبية التي استنفرت و انضمت إلي الجيش في “حرب الكرامة” أن لا تخرج من دائرة الانضباط العسكري في الخطاب، و أن لا تجعل ساحات القتال منابر للمكونات و الأجسام التي ينتمون إليها.. و الالتزام على أن يكون الجيش مؤسسة قومية بعيدة عن الدعايات السياسية.. الثانية تحديد منافذ تواصل بين الجيش و المؤسسات السياسية المختلفة، بهدف إحداث تغيير جوهري في الخطابات التي اتصفت بالمواجهة و الاتهامات، إلي تقديم أفكار تحدث تغييرات جوهرية في الساحة السياسية…
أن الأفكار الجديد التي أبتدعها الجيش في تجديد و تحديد أدوات الاتصال السياسي، تعد نقلة متطور من “الخطاب التوليتاري” الذي اتصفت به العسكري بشكل عام، إلي خطاب برجماتي مؤسس على النسبية يقبل الأخذ و الرد، من خلال حوار عقلاني مؤسس على تقديم الأفكار.. و هي المرحلة التي عجزت الأحزاب السياسية في الوصول إليها، بأنها ماتزال تحاول أن تعيد إنتاج الأزمات من خلال تكرار ذات الخطاب الذي قاد لفشل برامجها منذ الاستقلال حتى اليوم، هو خطاب قائم على تكرار خطابات سابقة، و أيضا منه من يعتمد على نظريات فشلت في تجارب العديد من الدول الأخرى.. المسألة الأخرى؛ أن الأحزاب فشلت أن تربط بين شعارات الديمقراطية التي ترفعها و بين عملية التغيير الاجتماعي، في كيفية رفع مستوى الوعي السياسي.. و معلوم أن التغيير يحتاج إلي ضخ كم هائل من الأفكار، و التي تعد أهم أدوات التغيير، و ليس شعارات خالية من المضامين، و غير معرفة الأدوات التي تخدمها..
الملاحظة المهمة: أن القوى السياسية التي تساند الجيش، نجدها قد حصرت نفسها في مهمات وظيفية، أن تشارك في فاعليات سياسية تدعا لها باعتبارها قوى مختلفة مع الآخرين، و دورها حسب تصريحات العديد من ينتمون لها، و هي فقط تريد أن تشكل موقفا مضادا لأفكار الأخرين، و هذا موقف وظيفي يقوم على ردة الفعل، و لكنه لا يستطيع أن يقدم أفكارا مفيدة للحوار أو لصنع وقع جديد، أو العمل لكيفية حل الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد.. و سيظل كذلك لآن المصلحة التي يقف عندها هؤلاء مصلحة ضييقة لا تتجاوز قدم أي شخص منهم.. كنت قد قدمت أسئلة منذ 2021م قبل الحرب في مقالات متكررة، من الذي يصنع الحدث في السودان؟ و من الذي يقدم أفكارا حتى إذا كانت خاطئة بهدف تغيير الخطاب السياسي في السودان؟ ليست هي القوى السياسية.. و الأزمة تعاد إنتاجها بسبب: أن الأحزاب التي تنعدم فيها الحرية و التي يسيطر فيها الفرد أو الشللية و تغيب فيها مواعين الديمقراطية و مساحة الحرية لا تسهم في تقديم أفكار عنها.. و هي تصبح مؤسسات خاملة غير منتجة للثقافة الديمقراطية، و لا حتى تطبيقها إلا في خطابات زائفة الدلالة و المعنى..
تصبح الاسئلة التي يجب أن تجيب عليها القوى السياسية: لماذا أقدمت قيادة الجيش على تحديد مصادر الخطاب السياسي الذي يخرج من المؤسسة و كيفية التعاطي معه؟ هل القوى السياسية قادرة أن تفتح حوارا مباشرا مع المؤسسة العسكرية لمعرفة مستقبل الدولة بعد الحرب بعيدا عن تدخل النفوذ الخارجي و أجندته؟ و هل القوى السياسية تستطيع أن تخرج من جلباب الأستاذية و الوصاية، و تقبل الدخول في حوار مفتوح مع القوى الأخرى للوصول لتوافق وطني؟ .. إذا فشلت في الإجابة على الأسئلة، و أن تطرح أفكارا أخرى، لابد أن تتجاوزها الأحداث، و تسمح ببروز قوى جديدة تفتح أفاقا للحل.. نسأل الله حسن البصيرة..

zainsalih@hotmail.com

عن زين العابدين صالح عبد الرحمن

زين العابدين صالح عبد الرحمن

شاهد أيضاً

لقاء البرهان بالمبدعيين والإعلاميين .. الانتقال من الخطاب إلي العمل هو المطلوب

زين العابدين صالح عبد الرحمنفي اللقاء الذي تم بين رئيس مجلس السيادة و القائد العام …