زهير السرَّاج
manazzeer@yahoo.com
- ما الذي جدّ حتى يُغيّر رئيس وزراء السلطة الانقلابية موقف حكومته من مراكز الجامعات السودانية بالخارج بعد أيام قليلة من تأكيد الإصرار على إغلاقها، ولماذا ظلت وزارة التعليم العالي ترفض مناشدات الطلاب وأسرهم، ثم جاء القرار الجديد باستمرار عمل المراكز في الخارج، بدون شرح الأسباب؟!
- قبل بضعة ايام فقط، وبالتحديد في 22 أكتوبر الجاري، أكد قطاع التنمية الاجتماعية والثقافية بمجلس الوزراء انه لا عودة عن قرار إغلاق المراكز التعليمية بالخارج، مبرراً ذلك بمخاوف تتعلق بسمعة التعليم العالي والتكاليف التي تتحملها الأسر، وبعد أربعة أيام فقط، أصدر رئيس الوزراء قراراً باستمرار عمل المراكز إلى حين توفيق أوضاعها، فأين ذهبت المبررات التي استندت إليها الحكومة قبل أيام بالإصرار على اغلاق المراكز، أم انها اكتشفت فجأة إنعدام المقوِّمات اللازمة لعودة المواطنين والجامعات الى السودان، ام ان القرار نزل إليها من سلطة اعلى ولم تكن تملك إلا التنفيذ ؟!
- لقد بح صوت الكثيرين بان قرار الإغلاق لا يستند إلى ظروف موضوعية، فالبنية التحتية بما فيها الاحياء السكنية الجامعات والمستشفيات ومعظم مرافق الخدمات الرئيسية دمرتها الحرب وهى تحتاج الى وقت طويل وإمكانيات ضخمة لإعادة تشييدها، وهنالك انعدام شبه كامل في الكهرباء والماء والعلاج والخدمات الأساسية، وعدم إستتباب الأمن، بالإضافة الى شح السلع الضرورية والغلاء الفاحش، كما أن معظم أساتذة الجامعات يقيمون خارج البلاد، فكيف تطلب الحكومة من المواطنين العودة الى البلاد، وتصدر قرار جزافيا باغلاق المراكز الجامعية خارج البلاد بدون أدنى إعتبار لكل هذه الظروف !
- لم تكن كل هذه الحقائق خافية عن السلطة الانقلابية بالطبع، ومع ذلك، أصر وزير التعليم العالي على أن القرار نهائي ولا تراجع عنه، ورفضت الوزارة مناشدات أولياء الأمور وأسر الطلاب الذين حذّروا من ضياع مستقبل أبنائهم، فاضطر عدد كبير من الطلاب واسرهم إلى العودة، وأغلقت معظم الجامعات مراكزها بالخارج وأعلنت استئناف الدراسة من الداخل، رغم الظروف السيئة التي يعرفها الجميع.
- ثم فجأة تغير الموقف وتراجعت الحكومة عن قرارها المجحف، مما سيضطر الجميع الى العودة مرة أخرى الى الخارج بما في ذلك من صعوبة ومعاناة ومشاق وأعباء وتكاليف جديدة، وعدم الاستطاعة في الوقت نفسه الإقامة داخل السودان بسبب الظروف المأساوية، أى أن المصيبة صارت مصيبتين .. فالعودة مستحيلة والبقاء أكثر إستحالة، فمن يتحمل مسؤولية ذلك وما تكبدته الأسر والجامعات من نفقات وخسائر؟!
- لقد أرغمت السلطة الانقلابية الجامعات والطلاب والمواطنين على العودة الى البلاد، لتُظهر أنها إنتصرت في الحرب ووفرت الظروف المناسبة لعودتهم وإستقرارهم، وهو ما لم يحدث حتى الآن ولن يحدث في وقت قريب، فالحرب ما زالت مشتعلة، وهجوم مسيرات يزداد كل يوم حدة، تدمر المنشئات وتقتل الابرياء في المناطق التي يسيطر عليها طرفا الحرب، ومنها الهجمات الأخيرة على محطات الكهرباء في الجزيرة وسنار والقضارف والنيل الأبيض وانقطاع الكهرباء من مناطق واسعة، وإستهداف محطة المَرخيات في أم درمان، وانقطاع الكهرباء عن أجزاء كبيرة من ولاية الخرطوم، فأين الأمان الذي تتحدث عنه السلطة، وأين الظروف المناسبة لعودة المواطنين، أم أن العودة في حد ذاتها أهم من ارواح المواطنين وحياتهم ؟!
- يكشف القرار الاخير لرئيس الوزراء حجم التخبط في السلطة الانقلابية وحكومتها، فإذا كان الإغلاق ضرورياً لحماية جودة التعليم، فلماذا سُمح باستمرار المراكز، وإذا كان استمرارها ممكناً إلى حين توفيق أوضاعها، فلماذا لم تبدأ الحكومة بهذا الحل بدلا من إرغام الجامعات والاسر والطلاب على اتخاذ قرارات مصيرية، وتعريضهم للمشقة والخسائر، مما يجعلنا نتساءل: من الذي يملك سلطة القرار في الدولة ومن يتحمل المسؤولية؟
- ليس عيباً أن تتراجع الحكومة عن قرار خاطئ، ولكن العيب أن تتخذ قرارات مصيرية بلا أساس واقعي، وأن تتجاهل تحذيرات المتضررين، ثم تُغيّر موقفها من دون تفسير أو اعتذار، أما أن تُغلق المراكز اليوم وتُفتح غدا، من دون أن يعرف الناس لماذا أُغلقت ولماذا فُتحت، فهذه ليست سياسة تعليمية، وإنما عبث بالتعليم والعلم والمواطنين ومستقبل أجيال كاملة.
