الحرب الباردة الجديدة : تنسيق أم تنافس .. بقلم: جمَال مُحمّد إبراهيْم


أقرب إلى القلب:
Jamalim1@hotmail.com

(1)

      إن الصراع العربي الإسرائيلي ، إن اختزلناه إلى حجمه الطبيعي على أرض الواقع، سنجد  الصورة  وقد تمخضت عن وجود دولة عنصرية  أنشئت على أرض دولة أخرى هي فلسطين، فوقفت الدول العظمى  بجانب إسرائيل. لا نخوض هنا في شتى الأسباب المفضية لذلك، ولكن هي حالة  إحلال شعب محل شعب، وإلغاء هوية مقابل صياغة هوية سياسية لشعب تداعى من شتاته ليشكل “إسرائيل”، التي صارت دولة أجمع المجتمع الدولي، عبر مختلف وسائل الضغط، على إنضمامها لهيئة الأمم المتحدة، فيما  جرى إقصاء فلسطين، وعبر حروبات متواصلة لأكثر من  ستة عقود زمانية، لأن يشكلوا شعباً مشرّداً،تعالجه أذرع الأمم المتحدة المعنية باللاجئين.

      لا تمثل عملية رفع العلم أمام مبنى الأمم المتحدة في سبتمبر 2015، إلا عملية تجميل مراسمية، لا أثر لها على الواقع السياسي. لا نجد في حالة النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، برغم دموية التعامل الاسرائيلي مع الشعب الفلسطيني المقهور، أيّ نوايا جادة لإدخال قوات دولية لفض النزاع الناشبهناك ، وهو نزاع اتسعت دائرته لتشمل مساحات عربية واسعة. .

(2)

      وماذا عن أزمة دارفور في  السودان . . ؟  

      ذلك نزاع نشأ قبل عقدٍ من الزمان أو أكثر بقليل، وهو بكلّ المعايير نزاع داخلي  في بلد واحد، وليست دارفور  إقليما أجنبياً مختلفا ، يسعى للإنسلاخ عن البلد السوداني . تطور هذا النزاع ليأخذ شكل النزاع المسلح، بسبب ضعف  إدارة الدولة السودانية في معالجة مسببات الأزمة ، فأفضتْ التطورات إلى إقحام قوات أممية  بقرارات دولية،  بغرض المساعدة في إحتواء النزاع ، وبدواعي إنسانية   تتصل بحماية السكان  وحفظ الأمن، في أنحاء مناطق النزاع.  

      لو أجاز المجتمع الدولي إدخال قوة عسكرية دولية، تجاوز عددها العشرين ألف جندي، من لابسي البيريهات الزرقاء إلى السودان،  فإنه لم يُقدم على اعتماد إجراءٍ مماثل إزاء تواصل  السياسات الإسرائيلية العنصرية، الماضية  إلى إلغاء وجود الشعب الفلسطيني كله، من كامل  الأرض الفلسطينية. ذلك يعزى إلى الدعم المتواصل والتعاطف الراسخ في عقدة الذنب الأوروبية والأمريكية تجاه اليهود،  لكن ذلك يمثل  تناقضاً بيّناً مع تلك السياسات التي اتبعها المجتمع الدولي  تجاه نزاع دارفور وهو نزاع سوداني – سوداني، وتلك التي اتبعها في النزاع الفلسطيني الإسرائيلي.

(3)

      إن المساعي الإسرائيلية الرامية لإلغاء فلسطين،  شعباً وأرضاً وإسماً، من الخرائط العالمية في وضح النهار، بل ومحوها من الضمير الإنساني العالميوالذاكرة البشرية، هي مساعٍ لا يُلتفت إليها، ولا تأبه لها مؤسسات المجتمع الدولي ، ولا تعالجها بذات الصرامة والحزم، اللذين عولجت بهما الأزمة الداخلية الناشبة بين أبناء شعب واحد في بلاد السودان.  لو أجاز ميثاق الأمم المتحدة،  بمختلف فصول ميثاقه وأبوابه القانونية،  معاقبة الدولة السودانية، واعتبارها “ناقصة الأهلية” في إدارة أحوالها، بل وتسارع الولايات المتحدة-بحساب انها القوى الأحادية المعنية بمصائر العالم،  وحفظ أحوال الأمن والسلم الدوليين، لتتهم السودان – بأنه الدولة “الفاشلة” الأولى في العالم ، بمشاركة بلد متفكك  آخر هو الصومال. يبقى السؤال: من لا يرى الآن سوأة إسرائيل وهي والغة في الذي تفعله في القدس الشريف. . ؟

      إن التطورات الخطيرة التي أشعلت المواجهات بين الشعب الفلسطيني الأعزل والشعب الإسرائيلي الدخيل، والمعبّأ بالسلاح الفتاك من رأسه إلى قدميه، والمغروس بهوية مشكوك فيها ، في الأراضي الفلسطينية،  ليقف شاهداً ليس على اختلال المعايير، بل يقف دليلاً على  نوايا عند أطراف دولية عديدة، لإشعال  حروب عقائدية، تبدأ بانتهاك المقدسات ، مثل حصار إسرائيل للمسجد الأقصى ، وستتواصل لتصبّ لتحقيق النوايا التي لم تعد خافية، نحو صياغة منطقة الشرق الأوسط برمتها، وفق تصورات معاييرها اختلاف الاثنيات ، وتباين العقائد والمذاهب الدينية. .

(4)

     لعلّ الغافل وحده من لا يرى رابطاً بين  تنسيق أمريكي روسي، حول الأزمة السورية الناشبة ،  والتي تسرّبت تداعياتها  ففاقمت من ظاهرة لواذ مهاجرين من مناطق القتال في سوريا إلى مناطق آمنة، لتصير في تصاعدها، أكبر أزمة إنسانية تجتاح العالم من شرقه إلى غربه. ما وصل التنسيق حتى على أيام الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، إلى هذا المستوى الذي نشهد تجلياته الآن. فيما تقترب إيران بتودّدها إلى “الشيطان الأكبر”، عبر إبرام صفقة مفاعلاتها النووية مع الغرب، فإن تحذيرات الإدارة الأمريكية  “للعرب السنة” – اختزالاً بلسان “أوباما” – توحي باعتراف مبطن منه، بأن تقسيم خرائط المنطقة  سيمرّ عبر تحالفات  تنتهج سبلاً ملتوية،  تعتمد اختلاف المذاهب والطوائف، معياراً رئيساً لرسم الحدود السياسية في مقبل الأيام القريبة. .

      لقد قدم النظام السوري الموغل في الاستبداد والشر، طبقاً شهياً لكلّأصحاب المطامع في ثروات وموارد المنطقة، وأصحاب الرغائب في احتواءأنظمتها السياسية، فالتقوا على أجندة واحدة . تقترب فرنسا من روسيا ، وتتودّد واشنطون إلى موسكو، فيتفقون على تنسيق الأدوار باختلافات طفيفة حول مصير بشار سوريا المستبد. في الإبّان تتوالى مواقف التأييد من أطراف غربية ، وأكثر من لم تعجبه  الغارات الجوية الروسية في سوريا، تجده قد جنح إلى الالتزام بالصمت التأمري المخزي. .

(5)

      إن سنوات “الحرب الباردة” التي امتدت من عام 1945 إلى عام 1990 ، قد شهدت في أهدأ حالاتها ، مواجهات لم تخلُ من سخونة ، إلا أننا الآن نشهد تنسيقاً آخذاً في التصاعد،  ليصل إلى مستوى من التحالف الخفيّ ، الذي قد يترك منطقة الشرق الأوسط، بأقوى لاعبيها وأضعفهم، عرضة  لسيطرة قادمة ، تعيد  رسم الحدود السياسية وفق إرادة كبارٍ، لم يعد يهمّهم أيّ اعتمادٍ لما يفعلون من طرف هئية الأمم المتحدة ومجالسها وهيئاتها. إن التنافس بين القطبين، السوفييتي والأمريكي خلال سنوات “الحرب الباردة”، قد منح الأمم المتحدة  ومجالسها وهيئاتها ، قدراً من المصداقية في الفعل، والاحترام  لقراراتها في  حفظ الأمن والسلم الدوليين ، وإن كان ذلك بأثرٍ محدود. .

      أما التنسيق بين القطب الأمريكي المسيطر بأحادية ظاهرة،  مع الدّب الروسي العائد، فهو يفتح صفحة لا تشبه قطعاً أي صفحة ممّا قرأنا في كتاب “الحرب الباردة” التي انطوت أيامها منذ نحو عقدين من الزمان.  إن الاستبداد  الذي تهاوت أطرافه في منطقة الشرق الأوسط، لم تكتمل دائرة سقوطه تماماً . تونس وحدها هي التي قدمت، بعد موسم ربيعها المثمر، حالة من التطور السياسي، كافأها الغرب عليه وأغدق الجوائز على قيادات فيها. تونس هي الأنموذج المرجو والمأمول أن تقتدي به الشعوب في كامل منطقة الشرق الأوسط..

(6)

      إن العجز الأممي إزاء غطرسة إسرائيل ،  يعكس قراءة  تلك الدولة  الناشزة  لواقع الحال، فهي تمضي لتلعب دوراً دقيقاً مرسوماً لها، يرضي ويتوافق مع ما  ترغب في تحقيقه الأطراف العالمية الأقوى. لعبة التحالفات الجديدة  ستطال الجميع.

      دارفور في السودان، والتي أقحم المجتمع الدولي آلاف الجنود الأمميين لحلِّ أزمتها، هي في حقيقة الأمر- وبإمعان النظر-  مغامرة محكمة السيناريولإلهاء  الأمم المتحدة بعيداً عن ساحات التنافس الحقيقي على موارد  منطقة  الشرق الأوسط . . بعيداً عن  معادلات التوازن بين القطب الأمريكي الراسخ والقطب الروسي العائد ، وذلك بهدف استشراف مرحلة من التعاون والتنسيق،على مستوى عالمي، تُفرض خلالها “قيم المجتمع الإنساني الجديد” . .

      الكاسب الأول قبل الجميع هو إسرائيل، والخاسرون هم “العرب السنة”،الذين أرسل “أوباما” تحذيره  إليهم دون مواربة  وبغطرسة موحية ، وعينه نحو الشيعة في إيران. .

نقلا عن صحيفة “الوطن” القطرية

23 أكتوبر 2015

عن جمال محمد ابراهيم

جمال محمد ابراهيم

شاهد أيضاً

من عقيدة مونرو إلى “عقيدة ترامب”

جمال محمد إبراهيم(1) بعد الإقرار بما أقدمتْ عليه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، غزو أراضي …

اترك تعليقاً