الحقيقة لقد بدأت بالأمس .. بقلم: د. عزت ميرغني طه
24 يناير, 2015
منشورات غير مصنفة
27 زيارة
izattaha@yahoo.com
قيل إن الصينيين قديما كانوا يفرضون علي أطبائهم بوضع فوانيس علي أبواب عياداتهم بعدد ما أزهقوا من أرواح خلال رحلة معالجتهم لمرضاهم… فكان أن مرض مواطنا وقرر زيارة الطبيب ولكنه كان مستنيرا وملما بذلك الموضوع وظل يطوف بتلك العيادات فلم يعجبه ما رأي من أعداد الفوانيس أمام كل طبيب في شارع العيادات. “خمسة، ثلاثة، ستة ..لا لا ”
قال في سره يجب ان أستمر في البحث …
فتهللت أساريره عندما رأى عيادة علي بابها فانوس واحد.
فدخل إلي الطبيب و سأله:
“الحمد لله لم يتعدى رصيدك فانوسا واحدا”
“الحقيقة أنا ابتدأت العمل هنا منذ الأمس فقط !!” قال الطبيب
حكيت هذه الحكاية لصديق فقال لي ..(إن طبقوا هذا في شارع الدكاترة بأمدرمان لأضحى كالمولد بتلك المصابيح)…..
قبل أسابيع قرأت مقالا لمواطن مقالاً يبكي فيه إبنته رحمها الله والتي عجز الوطن بكل ثرواته وإمكاناته أن يجد لها سريراً تعالج فيه … لقد كان حديثه مبكياً ومؤلماً وهو يرى صورة من صور جحود الوطن لأبنائه، لقد بكيت معه على ابنته – رحمها الله – ولم نبكِ على الوطن لأننا لم نعش ذلك الموقف لنبكي كما بكى.
و اليوم قرأت في سوداننا أن مدونا يطرح نفس المشكلة والتي طالت إبنة خالته بأن عملية خاطئة ثقبت قصبتها الهوائية وعانت إلى أن تولاها العزيز الجبار برحمته ولكن تبقى الأخطاء الطبية مؤرقا لنا ونذيرا بأن نكرس لثقافة المحاسبة وتطبيق العقاب لمن أخطأ وجعله عبرة أي كان موقعه وأن لا نركن إلى سياسة “لو سرق الشريف لتركوه” فالشريف والفقير عبادا لله سواسية في الجرم وفي تلقي العقاب.
لم أتألم لحال ذلك الرجل بقدر ما تألمت أن يتحول الطب إلى تجارة !!الألم أن تغيب المفاهيم الإسلامية عند القائمين على المستشفيات العمومية وأن لا يجد المريض في الخاصة أكثر من ضبط قنوات التلفزيون والتكييف في الغرفة فحسبهم تحقيق الربح المادي دون عطاء يذكر مقارنة بما ترى من المفاهيم الانسانية عند مستشفيات ناس الغرب الغير مسلمين ….
عندنا يدفع المرضى القادرين وأهلهم الكثير ولكن ماذا يفعل عشرات بل ألوف من المواطنين الذي لا يملكون في حساباتهم سوى راتبهم الشهري؟ …. هل يموتون ؟!!!!
يا أيها الوطن الكبير … ماذا بقى لك من ولاء وقد تحول أبناؤك يا موطني … لقد رفعت اللوحات من أجلك في كل مكان فهل بقى لأبنائك رأس مرفوع وهم يطردون، ويقعون فريسة لمستشفيات خاصة تنعم بخيرات هذه البلاد !!!!.
يا موطني … في دولة خليجية مجاورة .. احترق مستشفى وأصيب أفراد .. فهاج الناس واستقالت وزيرة الصحة .. أما هنا فيموت الناس وتسقط المباني ويبتسم الوزير ويتحول إلى شيخ جليل يشرح لنا باب القضاء و القدر.
.
يا موطني .. في جميع دول العالم .. يقوم الوزير بزيارة مفاجأة لا يعلم عنه أحد ليكشف خطأ أو يقف على شكوى .. أما أنت فيُسبق الوزير بوفد صحفي ومصورين، ثم يقال كانت زيارة مفاجأة قام بها الوزير فلم يصحح الوزير خطأ أو يدعم عملاً.. بل التقطت له الصور وكأنه لاعب رياضي .
من يوقف هذا النزيف من الأخطاء و الجشع ؟
من يعيد لكل مواطن حقه في وطنه ومكتسباته ؟
من يضرب بيدٍ من حديد كل عابث وطامع ؟
من يحفظ لكل مواطن كرامته من أن تهان ؟