يوسف عيسي عبدالكريم
تابع السودانيين تفاصيل جلسة مجلس الامن التي تباينت فيها المواقف ما بين اعلان مسعد بولس مستشار الرئيس الأمريكي للشؤن الافريقية و المعني بالملف السوداني رفض الحكومة السودانية للنسخة المحدثة من مسودة الهدنة الإنسانية و تأكيده على ان هذه تعتبر النسخة الثانية عشر في طابور النسخ التي أرسلت الى الحكومة السودانية و التي في المقابل قامت برفضها و ما بين موقف مندوب السودان الذي أشار بأن مصطلح رفض غير دقيق و أن البرهان شخصيا تابع الجلسة وقد ارسل اليه رسالة توضح ان هناك تعديلات تم اجرائها على النسخة التي قدمت للحكومة و لكنه لم يصرح بقبول مسودة الهدنة مما يعني بداهة رفضها .
في الأزمات الكبرى تُقاس الحكومات بقدرتها على ترتيب الأولويات، لا بقدرتها على إطالة أمد الصراع. فحين يواجه بلد بحجم السودان حرباً مدمرة، وانهياراً اقتصادياً متسارعاً، وتراجعاً في قيمة العملة الوطنية، وارتفاعاً جنونياً في الأسعار، وتنامياً لمؤشرات الاحتقان الداخلي و بوادر الحرب الأهلية يصبح السؤال الطبيعي هو الى أين تتجه بوصلة الدولة؟ وهل ما تزال الحكومة تبحث عن مخرج للأزمة و هل فعلا توجد مؤشرات على ذلك ، أم أنها أصبحت تدير الأزمة باعتبارها قدراً لا مفر منه؟
و تبدو الحكومة السودانية وكأنها اختارت طريق إدارة الازمة – والذي تفعله بطريقة يبدو فيها الفشل واضح للجميع – عوضا عن البحث عن حل جذري ينهيها . فبدلاً من الانشغال بمعالجة الانهيار الاقتصادي الذي يرهق المواطن، أو البحث عن حلول سياسية توقف نزيف الحرب، أو احتواء بؤر التوتر الأهلي التي بدأت تتجدد في أكثر من منطقة، تبدو الحكومة منشغلة بفلسفة مختلفة؛ فلسفة تقوم على المضي في الحرب باعتبارها الخيار الوحيد، مهما كانت الكلفة ومهما طال الزمن.
المتابع للشأن السوداني يلاحظ بوضوح إن السودان لا يواجه أزمة واحدة، بل سلسلة من الأزمات المتشابكة. فإلى جانب الحرب الدائرة، يعيش المواطن تحت ضغط تضخم غير مسبوق، وانخفاض مستمر في القوة الشرائية، وانهيار متسارع في سعر العملة، فضلاً عن مخاطر عودة النزاعات الاهلية في عدد من المناطق، سواء بسبب الخلافات القبلية أو النزاعات حول الأراضي والحدود الإدارية. عوضا عن حالة انعدام الامن التي أصبحت تجتاح حتى المدن التي تصنف أمنة بمفهوم الصراع الدائر ما بين انتشار السرقات و القتل و المخدرات ويضاف إلى ذلك الضغوط الخارجية، بما فيها العقوبات الأمريكية الأخيرة، وما قد يترتب عليها من آثار اقتصادية وسياسية.كل هذه الملفات تستدعي ان تنصرف الحكومة إلى إدارة الأزمات والبحث عن التسويات، لا ان تجعل الحرب مشروعها الوحيد.
غير أن ما نراه و حسب مخرجات جلسة مجلس الامن الأخيرة و تصريحات الفريق البرهان التي عقبتها هو حالة من الهروب إلى الأمام. فكلما تعقدت الأزمة، ازداد الخطاب الرسمي تشدداً، وتراجعت فرص الحوار، ورفضت أو جُمِّدت مبادرات عديدة كانت تهدف إلى وقف إطلاق النار أو إقرار هدن إنسانية تخفف من معاناة المدنيين. وكأن الاعتراف بالحاجة إلى التفاوض يُنظر إليه باعتباره تنازلاً، لا أداة من أدوات السياسة.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه هو الحديث المتكرر عن استراتيجية طويلة الأمد يمكن وصفها مجازاً بـ”فلسفة الحفر بالإبرة”. وهي فلسفة تقوم على الاعتقاد بأن الإصرار وحده، ولو كان بطيئاً ومكلفاً، سيقود في النهاية إلى النتيجة المطلوبة.
لكن المشكلة في هذه الفلسفة أنها تفتقر إلى الإجابة عن الأسئلة التي تهم السودانيين أكثر من غيرها كم سيستغرق هذا الطريق؟ وما كلفته الإنسانية والاقتصادية؟ وما هو السقف الزمني الذي يمكن للوطن أن يحتمله؟ ومن يضمن أن البلاد ستظل متماسكة طوال سنوات الحفر ؟
قد تكون الإبرة قادرة على أن تحفر الصخر إذا مُنحت الوقت الكافي، لكن حياة الشعوب ليست صخوراً، والوطن ليس مختبرا لتجريب النظريات. فكل يوم يمر يحمل معه مزيداً من الفقر، ومزيداً من النزوح، ومزيداً من الانقسام الاجتماعي، ومزيداً من التآكل في مؤسسات الدولة ناهيك عن الأرواح التي تزهق و الانفس التي تفقد.
إن الفرق بين فلسفة الحفر بالمعول و فلسفة الحفر بالإبرة هو فرق بين من يسابق الزمن لإنقاذ وطن، ومن يطلب من الوطن أن ينتظر الزمن. فالمعول مهما كان ثقيلاً، يصنع تغييراً ملموساً في وقت معقول، أما الإبرة فربما تنجح في النهاية، لكن بعد أن يكون البناء نفسه قد انهار.
وإذا كانت “فلسفة الحفر بالإبرة” قد أصبحت بالفعل هي الرؤية التي تحكم القرار السياسي في بورتسودان، فإن السودانيين لا ينتظرون نهاية قريبة لهذه الحرب، بل يستعدون – شاءوا أم أبوا – لسنوات طويلة من الاستنزاف. وربما تكون نهاية هذا الصراع أبعد من عمر الجيل الذي يشهده اليوم، وربما يحملها جيل آخر لم يولد بعد.
السؤال الذي ينبغي أن يُطرح الآن ليس: هل يمكن الانتصار في الحرب؟ بل: ماذا سيبقى من السودان إذا تحقق هذا الانتصار بعد عقد أو عقدين؟ فالدول لا تُقاس فقط بمن ينتصر في المعركة، وإنما بما يبقى منها بعد أن تنتهي المعارك.
إن الحكمة السياسية ليست في القدرة على إطالة الصراع، وإنما في القدرة على إنهائه بأقل الخسائر الممكنة. والسلام ليس إعلاناً للهزيمة، بل هو في كثير من الأحيان أعلى درجات الانتصار عندما يصبح استمرار الحرب تهديداً لوجود الدولة نفسها.
yousufeissa79@gmail.com
