دكتور محمد عبدالله
كتب الصديق الأستاذ طه جعفر، عضو الحزب الشيوعي السوداني، على صفحته في “فيسبوك” أفكاراً تستحق النقاش، دعا فيها إلى محاسبة المسؤولين عن جرائم نظام الإنقاذ، واسترداد الأموال والممتلكات العامة المنهوبة، وتفكيك منظومة التمكين، وإخضاع الشركات التابعة للمؤسسات العسكرية والأمنية لولاية وزارة المالية ورقابة المراجع العام. كما شدد على ضرورة الابتعاد عن طرفي الحرب، وبناء تحالف وطني ديمقراطي واسع يضم القوى المناهضة للحرب لاستعادة أهداف ثورة ديسمبر.
وتعيدنا هذه الأفكار إلى سؤال مهم: ما أساس الحملة المتصاعدة ضد الحزب الشيوعي السوداني؟ ومن يقف وراءها؟ ومن المستفيد من تشويه مواقفه وإضعافه سياسياً؟
يبرز في هذا السياق اتهام الحزب بالوقوف مع الإسلاميين وعسكرهم. فمن أين جاءت هذه المقولة؟ وعلى أي وقائع تستند؟ ولماذا يحرص بعض الإسلاميين على الترويج لها أو يجدون مصلحة في انتشارها؟
إن ترسيخ هذا الاتهام قد يسهم في زرع الشكوك بين القوى المدنية، وإجهاض فرص توحيدها حول برنامج مشترك لوقف الحرب ومقاومة عودة النظام السابق. فحين تنشغل القوى المناهضة للاستبداد بتبادل الاتهامات، تتراجع قدرتها على مواجهة القوى المستفيدة من استمرار الحرب والانقسام.
لكن الإنصاف يقتضي التمييز بين النقد السياسي المشروع والحملات التي تستهدف التشويه والإقصاء. فليس كل من ينتقد الحزب الشيوعي ” كوز”، وليس كل خلاف معه مؤامرة. كما أن التساؤل عن المستفيد من هذه الاتهامات لا يكفي وحده لإثبات وجود جهة منظمة تقف وراءها؛ فذلك يحتاج إلى أدلة واضحة.
والمطلوب من الشيوعيين السودانيين أن يواجهوا هذه الاتهامات بمواقف واضحة وأدلة عملية، وأن يراجعوا تجربتهم بجرأة، وينفتحوا على الحوار مع بقية القوى الوطنية. فالدفاع عن استقلال القرار السياسي لا يعني الانغلاق على الذات، والتمسك بالمبادئ لا يقتضي احتكار الحقيقة.
وفي المقابل، تقع على القوى المدنية الأخرى مسؤولية رفض التخوين والإقصاء، ومناقشة مواقف الحزب وبرنامجه بموضوعية، والاتفاق على حد أدنى مشترك يقوم على وقف الحرب، ومحاسبة مرتكبي الجرائم، واسترداد الأموال المنهوبة، وتفكيك منظومة التمكين، وإقامة دولة مدنية ديمقراطية.
لقد أثبتت تجربة ما بعد ثورة ديسمبر أن الخلافات داخل المعسكر المدني قد تتحول إلى ثغرات تنفذ منها قوى الاستبداد. ولذلك، فإن المطلوب ليس إلغاء الاختلافات، بل منعها من تقويض العمل المشترك.
ويبقى السؤال: من المستفيد من تحويل الخلافات بين القوى المدنية إلى معارك تخوين وإقصاء، بينما تتواصل الحرب وتتراجع فرص السلام؟
إن استعادة الثورة لا تتطلب أن يتبنى الجميع برنامج الحزب الشيوعي، ولا أن يتخلى الشيوعيون عن قناعاتهم، وإنما أن تتوحد الجهود حول الحرية والسلام والعدالة، وأن تُقدَّم مصلحة السودان على الخصومات الحزبية. فالمعركة ليست بين الشيوعيين وبقية القوى المدنية، بل من أجل سودان لا تحكمه البنادق، ولا تُنهب موارده، ولا يُقصى فيه أحد بسبب رأيه أو انتمائه السياسي.
