كيف لا
moaney [moaney15@yahoo.com]
بعد سؤاله عن صحيفتين معينتين ،استدار القاريء المزاجي لا يلوي على شيء سوى مقاطعة صحف ذلك اليوم ، لأن كشكه الذي تعود على شراء الصحف منه لم يراع مزاجه وبالتالي لم يسمح له بالظفر بإحدى صحيفتيه الأثيرتين .ولم يثنه عن قراره ذاك مناداة بائعة الصحف من داخل كشكها : "حبيب البلد" ،وقد خلت للوهلة الأولى أن في الأمر ثمة خطأ ترويجي او استدراجي في عرض الصحف ولكن بالنظر إلى أرتال الصحف أمامي وجدت أن "حبيب البلد" هي المموجة الهلالابية الزرقاء.
بعد مشاهدة هذا المقطع المسرحي مباشرة أحسست أن طرف المكتبة عبارة عن خشبة مسرح صغير يمكن بالإطلالة عليها التعرف على اتجاهات وتفضيلات القراء ، ومن ثم يمكن قياس ذلك بتطوير الفكرة إلى شكل بحث علمي يساعد أسلوب القياس فيه على الوصول إلى النتائج الدقيقة والصحيحة.
ولأن هذه النقطة تتعلق بها كثير من التفاصيل الأخرى التي لم تظهر بين ثنايا هذا الحوار القصير ، إلا أنه بين سطورها تكمن كثير من الدلالات. ما وقفت عنده السؤال الذي بات أزلياً :ما هي المقاييس الحقيقية للقاريء السوداني في تفضيل صحيفة على أخرى ؟ هل بمحتوى الأخبار ، أم بتحليلات الكتاب أم التغطيات ، أم كل هذه الأشياء وغيرها مجتمعة ؟ ومن تستهدف الصحيفة : القاريء العادي أم صفوة القراء ؟ أم بين هذا وذاك ؟ أم الإثنين معاً ؟
لم أغادر تلك البقعة ، كشك المكتبة المفتوح على الجهات الأربع، و الانطباع الأولي الذي يشي أن ما نكتبه ويُعرض هناك مجرد كلام ، وكلام الجرائد أرخص شيء في حياة القاريء السوداني ، الحريص منه على القراءة ومطالعة الصحف وغير الحريص.وأحياناً يكون هناك إحساس كالذي راودني عند زاوية المكتبة وكأننا نكتب بل نعبث في وديان اللاجدوى. أما الشيء الآخر الذي يجب أن يظهر كحقيقة لا مُراء فيها ، فهو ما يجب أن تفعله دراسة علمية تقوم بها جهات مختصة كالمجلس القومي للصحافة أو جهات أخرى تحمل هم العمل الصحفي وضرورة تجويده . دراسة رصينة تقيّم أداء الصحف وتقول للمحسن أحسنت وتقدم مقترحاتها لمن قصّر في الوصول بالمهمة إلى مراقي الجودة.
الحقيقة قد لا تكون في موقف هذا القاريء الذي قرر مصير أكثر من أربعين صحيفة في صحيفتين ، واختزل أداء عشرات المؤسسات الصحفية والعديد من المطابع لتقرأ الخرطوم كل صباح وتفرغ الأكشاك أحمالها قبل منتصف النهار.والحقيقة قد لا تكون في مثل هذا الاختلاف في الأذواق والاتجاهات والميول الذي لولاه لبارت الصحف. طبعاً من غير المعقول أن نطالب القراء بالاستغناء عن نصف دخولهم كي يستطيعوا الإطلاع على كل الصحف أو أغلبها. ولكنهم في النهاية يقرأون.وإذا كان هذا القاريء يختار إحدى صحيفتين ، فذاك سيختار غيرهما وهكذا إلى أن يُغطى القراء بواقع جريدتين لكل مواطن .
تخرج الصحف بشكل يومي وتتناول مواضيع عديدة ولكن أي منها تحرص على التزام منهج الكتابة الصحفية ، الأسئلة التي يقدمها المقال قبل الإجابة ، الموقف الثابت ، القلم غير الملون غير الخاضع لهبات الرياح وحركة الأمواج . هل كتابات الصحف ستظل كلام جرائد أم ستخضع لما يجب أن تخضع له كتابات هذا الزمن المحكوم بقواعد البحث العلمي والدراسات المعمقة التي تستخرج الجوهر بدلاً من الأشكال الانفعالية والإعتباطية .
وإلى أن يتحقق ذلك ويصبح الإطلاع على الصحف هو بحث عن المعرفة ، وتكون أسنة أقلام الكتاب بوصلة تهدي إلى رجاحة المنطق ووضوح الحجة ، ستظل الخرطوم تقرأ ، وهذه حقيقة ولكن وإلى أن يحين ذلك الأجل ستكون مجرد قراءة لا تحتفي بالمعرفة .
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم