الخرطوم والقاهرة وما وراء الأكمة

 


 

 

زين العابدين صالح عبد الرحمن
أن الزيارة التي قام بها رئيس مجلس السيادة و القائد العام للجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان للقاهرة حملت العديد من الاستفهامات حول الغرض من الزيارة و الأجندة المطروحة للنقاش.. خاصة إنها جاءت بعد صفقة تجارية كبيرة بين القاهرة و أبوظبي، و كنت قد بحثت في الأخبار عن؛ من الذي طلب الزيارة؛ هل البرهان طلب زيارة مصر أم مصر هي التي قدمت دعوة للبرهان لزيارتها، باعتبار أن الذي طلب الزيارة هو الذي يحدد الأجندة على طاولة المباحثات.. و تمت الزيارة و تم الزيارة و كان استقبالا مهيبا للبرهان باعتباره رئيسا للدولة، و هي تختلف عن مستوى زيارة البرهان الأولى، مما يؤكد أن سير العمليات العسكرية في السودان هو الذي يحدد مستوى اللقاء، و جاءت كلمة البرهان على منبر القاهرة تحمل ذات الرؤية التي كان قد قدمها في الزيارة الأولى أن الجيش لن يتطلع للحكم و لابد من رجوع السلطة للشعب و لكن يتم ذلك بعد وقف الحرب.. استغل البرهان منبر القاهرة باعتباره منبرا تتجه إليه كل الأنظار خاصة الدول التي لها نفوذا في العلاقات الدولية و كذلك المنظمات. قال البرهان أن الجيش سوف يسلم السلطة للمدنيين لكن ليس بوجهة النظر الضيقة التي يحملها المجتمع ، أنما صاحب المصلحة و القرار في ذلك هو الشعب السودان..
يعلم يقينا صناع القرار في القاهرة أن تأييد الشعب السوداني للجيش و استنفار شبابه لكي يلبي دعوة الاستنفار التي كان قد أطلقها القائد العام للجيش أحدثت تغييرا كبيرا في المعادلة العسكرية و السياسية في البلاد، و هذا الحراك الشعبي الكبير كان سببا قويا في رفع الروح المعنوية لمقاتلي القوات المسلحة و القوات الأمنية و الشرطية الأخرى و المستنفرين الذين استطاعوا أن يسجلوا انتصارا تلو الأخر.. و مصر أيضا تعلم يقينا أن أغلبية الشعب السوداني على قناعة أن استمرار الحرب و كل التخريب الذي حدث في منشأت الدولة و المؤسسات الخدمية و منازل المواطنين و ممتلكاتهم و مزارعهم و مصانعهم و متاجرهم في الخرطوم و الجزيرة و ولايات دارفور و أيضا كردفان كان سببا مباشرا له دعم دولة الأمارات للميليشيا، حيث كانت طائراتها من كمبالا و الازقية إلي مطارات تشاد و ليبيا "حفتر" تحمل الدعم الوجستي و التشوين للميليشيا.و أيضا كانت داعمة إلي إعلام الميليشيا.. و بذلك أصبحت العلاقة السودانية الأماراتية علاقة ذات حساسية عالية جدا، هي ليست خصاما سياسيا أنما زهقت فيه أرواحا بالآلاف من المواطنين..
الكل يعلم أن مصر دولة ذات نفوذ كبير في المنطقة، و أيضا لها وضعها الدولي، و هي لها تقديراتها الخاصة في الأحداث الجارية في المنطقة، و لا ننسى نحن السودانيين كان لمصر دورا مهما في تخفيف الضغط الدولي على القيادة العسكرية السودانية، عندما دعت مصر إلي اجتماع دول الجوار السوداني في القاهرة، هذا المؤتمر أحدث تغييرا في مسار القضية السودانية، حيث كان التحالف الدولي الذي أراد أن يمرر أجندته من خلال بعض من الدول و منظمة الإيغاد يضغط في القيادة العسكرية لكي توافق على شروطه المجحفة، و لكن مؤتمر القاهرة خلق واقعا جديدا في مسار الشأن السودان..
أن مصر لها الحق أن تدير مصلحها بالصورة التي تعتقد سوف تحقق لها هذه المصالح، و أيضا لها الحق المطلق أن تؤسس علاقتها في المنظومة العربية و بالخصوص الخليجية و أيضا الأفريقية و غيرها في مجالات العلاقات الدولية بما يحقق لها مصالحها، و كلما كانت مصر قوية عسكريا و اقتصاديا كان له أثرا إيجابيا على العلاقات السودانية المصرية من خلال تطوير مشاريع اقتصادية و صناعية و زراعية و ثقافية مشتركة لمنفعة البلدين..
و لكن أي وساطة لمصر بين الأمارات و السودان في هذه الفترة سوف تكون غير موفقة، لآن الجرح السوداني مايزال ينزف و الأمارات الداعمة عسكريا للميليشيا تعد سببا مباشرا فيه.. أن أغلبية الشعب السوداني ربطوا زيارة البرهان للقاهرة بالانفتاح الاقتصادي الآخير بين مصر و الامارات، و رغم لم تظهر أي إشارة في الخطاب السياسي في قمة القاهرة، إلا أن هناك توجسا.. أن هناك قناعة وسط الجيش و المقاومة الشعبية و جماهير الشعب المؤيدة للجيش يجب أن يكون أي حوار حول مجريات الشأن السوداني فيما يتعلق بالحرب و المشاركين مؤجلا إلي ما بعد دحر الميليشيا و رجوع الناس إلي مناطقهم في جميع ولايات السودان. و كما قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في كلمته في مؤتمر قمة جدة " للأمن و التنمية" في منتصف يوليو 2022م قال " لآ مكان للميليشيات و لا لداعيميها" و لا نخف أن دور الدول العربية وحتى الجامعة العربية و هم يعلمون أن الأمارات هي الدعم العسكري للميليشيا و لكنهم جميعا التزموا الصمت و حتى لم ينصحوها بالتوقف.
أتذكر أيام الثورة قبل إقالة البشير و بعدها كان هناك دورا لمصر باعتبارها دولة جارة للسودان و تربطها علاقات إستراتيجية و مصر رئيس الاتحاد الأفريقي في تلك الفترة. كانت مصر تعمل جاهدة أن لا ينزلق السودان إلي حرب أهلية، و أختلفت الأجهزة المصرية في تقديراتها إذا كان البشير سوف ينحني إلي العاصفة و ينقذ نظامه من السقوط، أو سوف يرضخ لمطالب الشعب الثائر. في ذلك الوقت عملت مصر حتى لا يجمد الاتحاد الافريقي عضوية السودان في الاتحاد، حيث كان الاتحاد يلوح بالتجميد إذا لم يسلم العسكر القوى المدنية السلطة. و أيضا كان بعض المسؤولين المصريين يعتقدون أن البشير ربما يتحمل الصدمة و يخرج منها، أو أن النظام نفسه ربما يخرج بقيادات جديدة من الجيش، و هي تستطيع أن تدير الدولة و تخرجها من ألأزمة.. رغم أن رؤية الأمارات كانت تقول أن البشير غير قادر على الصمود، و أن التغيير واقع لا محال.. و استطاعت الأمارات أن ترتب أورقها على ضوء رؤيتها، و و كانت تستعد إلي فترة ما بعد الإنقاذ.. في ذلك الوقت قد تبين للمصرين أن تقديراتهم كانت خاطئة أن البشير سوف ينحني للعاصفة و يحافظ على بقاء نظامه. و من هنا بدأت رحلة الأمارات مع السياسية السودانية حتى أدت للحرب الدائرة الآن..
السؤال الذي يجب طرحه: هل الأشقاء في مصر على دراية كاملة أن الجيش لا يستطيع أن يتخذ موقفا لا يقبله الشعب السوداني، و يذهب في اتجاه أي تسوية مع دولة الأمارت التي تسببت في نزوحه و نهبه و سرقته و احتلال منازله؟ رغم أن الأجندة التي طرحت بين الرئيسين غير معروفة حتى الآن.. و لم تظهر في الخطاب من خلال المؤتمر الصحفي.. نسأل الله حسن البصيرة.

zainsalih@hotmail.com

 

آراء