خالد البلولة
شكّل الفنان مختار بخيت واحدًا من أبرز ملامح الكوميديا السودانية المعاصرة، ليس فقط بقدرته على إضحاك الجمهور، بل بموهبته في تحويل الضحك إلى أداة نقد اجتماعي عميق.
وصقل موهبته بالدراسة في قصر الشباب والاطفال،حيث تشكّلت ملامح تجربته القائمة على التلقائية والاقتراب من وجدان السوداني الشعبي.واستلهام تراث منطقته كردفان..
خاصة اللهجة المحلية..
ابتكر مختار بخيت شخصية “الدعيتر” بوصفها نموذجًا إنسانيًا مفتوحًا،يستلهم بيئة كردفان في لهجته وروحه، دون أن ينحاز إلى منطقة بعينها داخل الإقليم، فجاءت الشخصية جامعة تعكس ملامح إنسان الهامش والبادية، لكنها في الوقت ذاته قادرة على تمثيل الإنسان السوداني في عمومه. وقد تجاوز (الدعيتر)حدود التمثيل ليصبح رمزًا ثقافيًا، حيث جمع بين التاليف وصناعة الأفكار ومناقشتها بالاضافة للبساطة والذكاء الفطري، واستطاع أن يحوّل تفاصيل الحياة اليومية إلى مادة درامية نابضة بالسخرية.والمفارقة..
اعتمدت تجربة (الدعيتر)على بناء المفارقة الكوميدية،بوضع الشخصية في مواقف تصطدم فيها القيم الريفية البسيطة مع تعقيدات المدينة الحديثة،ومن هذا التصادم تولدت الكوميديا، كوسيلة لكشف التناقضات الاجتماعية.وقد تناولت الأعمال التي قدّمها طيفًا واسعًا من القضايا،من بينها الزواج والبحث عن الاستقرار، حيث يظهر (الدعيتر) في سعي دائم للزواج، لكنه يصطدم بشروط الواقع الاجتماعي والاقتصادي، فتتحول رحلته إلى مساحة ساخرة تكشف تعقيدات المؤسسة الزوجية.
وشخصية الشخص (العوير) واتاح لها مساحة واسعة في لمة حبان،كما حضرت في العمل شخصيات شعبية تعكس الواقع اليومي، مثل شخصية (حنان جوطة) وهي شخصية موجودة في الواقع السوداني (وكالة اخبار محلية) وكذلك نموذج الشخص المولع بالأكل الذي أدّاه عبد السلام جلود،وجسد ربيع طه، نموذج شخصية (الفنان غير الموهوب الذي يدعي تميزه في مفارقات تكشف هشاشة بعض الظواهر في الوسط الفني.
لم تكن تجربة “الدعيتر” مجرد ترفيه، بل حملت أبعادًا نقدية واضحة، إذ عكست تفاصيل الحياة اليومية بلغة بسيطة قريبة من الناس، وقدّمت قضايا المجتمع السوداني في قالب ساخر يكشف التناقضات ويعيد التفكير فيها،وبذلك تحوّلت الدراما الكوميدية عند مختار بخيت إلى أداة لمعالجة قضايا المجتمع ليس وسيلة للضحك.ك وكفى..
ولم يكن مختار بخيت بعيدًا عن نقد البيئة التي يعمل داخلها، بل تحدث بوضوح عن الإشكالات التي تواجه الدراما السودانية، وعلى رأسها اختلال التوازن بين الغناء والدراما في القنوات الفضائية. فقد أشار إلى أن بعض القنوات لعبت دورًا مباشرًا في ترجيح كفة الغناء على حساب الدراما، انطلاقًا من اعتبارات تجارية بحتة، إذ يُنظر إلى الغناء باعتباره أكثر قدرة على جذب الرعايات والإعلانات،في حين تُعد الدراما مشروعًا مكلفًا لا يحقق عائدًا سريعًا،وبذلك أصبح اتجاهًا عامًا يهدد حضور الدراما السودانية.
ويرى مختار رغم هذا الواقع الاليم برزت شخصيات حاولت إعادة الاعتبار للدراما، من أبرزها وعي الإعلامي الطاهر حسن التوم بأهمية الدراما من خلال تقديمه تجربة جمال عبد الرحمن في برنامج “إكس لارج”، عبر قناة سودانية 24 حيث نجح في تقديم الدراما كمحتوى جاذب وأعاد تسليط الضوء عليها ضمن فضاء جماهيري واسع،و تبع ذلك توجه بعض القنوات،مثل تلفزيون الخرطوم، إلى إعادة بث أعمال درامية مثل تجربة لمة حبان
استطاع “الدعيتر” أن يرسّخ لنفسه مكانة خاصة في الوجدان الشعبي، حيث ارتبط اسمه بشخصية قريبة من الناس، تعكس همومهم وتطلعاتهم بلغة ساخرة محببة، وظل هذا الحضور الإنساني أحد أهم أسباب انتشاره واستمراريته. وبرحيله في 19 أبريل 2026،فقدت الدراما السودانية واحدًا من أبرز وجوهها الكوميدية، بعد مسيرة حافلة وترك إرثًا فنيًا سيظل حاضرًا في ذاكرة الجمهور،بوصفه نموذجًا للفنان الذي جمع بين الموهبة والرسالة.الهادفة ..
dr.khalidbalula@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم