الدهون الحشوية ومؤشر كتلة الجسم: قراءة علمية في دلالات القياس وتقييم المخاطر الصحية

بقلم: د. محمد بدوي مصطفى

تُعدّ السمنة أحد أبرز التحديات الصحية في العصر الحديث، غير أنّ فهمها لم يعد يقتصر على قياس الوزن فقط، بل يتجاوز ذلك إلى تحليل نوعية الدهون وتوزيعها داخل الجسم. وفي هذا السياق، برز مفهوم الدهون الحشوية بوصفه مؤشرًا حاسمًا في تقييم المخاطر الصحية، إلى جانب إعادة النظر في دور مؤشر كتلة الجسم (BMI) كأداة تشخيصية تقليدية.

أولًا: ماهية الدهون الحشوية وخطورتها
الدهون الحشوية هي الدهون التي تتراكم داخل تجويف البطن، محيطةً بالأعضاء الحيوية مثل الكبد والأمعاء، بخلاف الدهون تحت الجلد. وتكمن خطورة هذا النوع من الدهون في كونه نشطًا بيولوجيًا، إذ يفرز مواد التهابية وهرمونية تؤثر سلبًا على وظائف الجسم.

وقد ارتبطت الدهون الحشوية بعدد من الأمراض المزمنة، من أبرزها:

أمراض القلب والأوعية الدموية
داء السكري من النوع الثاني
ارتفاع ضغط الدم
اضطرابات التمثيل الغذائي

لذلك، لا يُنظر إلى الدهون الحشوية بوصفها مجرد مخزون للطاقة، بل كعامل مرضي فعّال يسهم في تطور العديد من الحالات الصحية الخطيرة.

ثانيًا: محيط الخصر كمؤشر دقيق للمخاطر الصحية
في ضوء محدودية بعض المؤشرات التقليدية، يُعدّ قياس محيط الخصر من أكثر الأدوات دقة في تقدير كمية الدهون الحشوية. فهو يعكس بشكل مباشر تراكم الدهون في منطقة البطن، وهي المنطقة الأكثر ارتباطًا بالمخاطر الأيضية.

وبحسب الإرشادات الصحية، يُفضَّل أن يكون:

أقل من 80–88 سم لدى النساء
أقل من 94–102 سم لدى الرجال

ويمتاز هذا القياس بتركيزه على توزيع الدهون بدلًا من الوزن الإجمالي، مما يجعله مؤشرًا أكثر حساسية في التنبؤ بالمخاطر الصحية مقارنة ببعض المقاييس الأخرى.

ثالثًا: مؤشر كتلة الجسم (BMI) – الأهمية والحدود
يُعدّ مؤشر كتلة الجسم من أكثر الأدوات استخدامًا لتقييم الحالة الوزنية، ويُحسب بقسمة الوزن (كغ) على مربع الطول (م²). وعلى الرغم من بساطته وسهولة تطبيقه، إلا أنه يقدّم تقييمًا عامًا لا يخلو من القصور.

وتُصنَّف نتائجه عادةً كما يلي:

أقل من 18.5: نقص في الوزن
18.5 – 24.9: وزن طبيعي
25 – 29.9: زيادة في الوزن
30 فأكثر: سمنة

ورغم انتشاره الواسع، فإن هذا المؤشر لا يعكس بدقة التكوين الحقيقي للجسم ولا يميّز بين مكوناته المختلفة.

رابعًا: نقد علمي لمؤشر كتلة الجسم
تتعدد الانتقادات الموجهة لمؤشر كتلة الجسم، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:

  1. عدم التمييز بين العضلات والدهون:
    نظرًا لأن العضلات أكثر كثافة من الدهون، فقد يُصنَّف الرياضيون أو أصحاب الكتلة العضلية العالية ضمن فئة زيادة الوزن أو السمنة رغم تمتعهم بصحة جيدة.
  2. تجاهل توزيع الدهون:
    لا يفرّق المؤشر بين الدهون الحشوية الخطيرة والدهون الطرفية الأقل ضررًا، مما قد يؤدي إلى التقليل من تقدير المخاطر الفعلية.
  3. إغفال الفروق الفردية:
    لا يأخذ في الاعتبار عوامل مثل العمر، والجنس، وكثافة العظام، والخلفية العرقية، رغم تأثيرها المباشر على التقييم الصحي.
  4. إمكانية التضليل التشخيصي:
    قد يظهر بعض الأفراد ضمن النطاق الطبيعي للمؤشر، رغم امتلاكهم نسبة مرتفعة من الدهون، وهي حالة تُعرف بـ”النحافة غير الصحية”، وترتبط بمخاطر أيضية خفية.
  5. تأثير العمر:
    لدى كبار السن، قد يكون الارتفاع النسبي في المؤشر ذا طابع وقائي، ولا يعكس بالضرورة تدهورًا صحيًا.

خاتمة
في ضوء ما سبق، يتضح أن تقييم الحالة الصحية المرتبطة بالوزن يتطلب مقاربة متعددة الأبعاد، لا تقتصر على مؤشر كتلة الجسم وحده، بل تشمل أيضًا قياس محيط الخصر وتحليل توزيع الدهون، خاصة الدهون الحشوية. إن الجمع بين هذه المؤشرات يوفّر فهمًا أكثر دقة للمخاطر الصحية، ويساعد في توجيه التدخلات الوقائية والعلاجية بشكل أكثر فاعلية.

وعليه، فإن إعادة النظر في الأدوات التقليدية وتبني مؤشرات أكثر شمولًا يُعد خطوة ضرورية نحو تحسين جودة التقييم الصحي والحد من الأمراض المرتبطة بالسمنة في المجتمعات الحديثة.

Mohamed@Badawi.de

عن د. محمد بدوي مصطفى

د. محمد بدوي مصطفى

شاهد أيضاً

كأس إفريقيا في المغرب: حين تتحول الكرة إلى بيان كرامة، وتصبح الاستضافة موقفًا أخلاقيًا

بقلم: د. محمد بدوي مصطفى افتتاحية: وصول بلاد الأطلس المجيدةشددنا الرّحال يا سادتي عابرين ألمانيا …