دكتور محمد عبدالله
muhammedbabiker@aol.co.uk
من يتابع النقاش السياسي السوداني خلال العقود الأخيرة يلحظ مفارقة تستحق التوقف عندها. فبينما تتداعى مؤسسات الدولة، وتتراجع الخدمات، وتتسع دوائر الحرب والنزوح والفقر، يظل جزء معتبر من النخبة السياسية والفكرية منشغلاً بسؤال يكاد لا يغادر الساحة: هل نريد دولة إسلامية أم علمانية؟
وكلما أوشك هذا الجدل أن يبلغ نهايته، ظهر مصطلح جديد يُقدَّم باعتباره المخرج المنتظر. فبعد سنوات طويلة من الاستقطاب بين “الإسلامية” و”العلمانية”، برز في الخطاب السياسي السوداني مصطلح “الدولة المدنية”، ثم شاع الحديث عن “دولة المواطنة”، وكأن المشكلة كلها تكمن في الاسم لا في المضمون.
والحال أن المشكلة لم تكن يوماً في الأسماء.
فكثير ممن يتحدثون اليوم عن دولة المواطنة يصفون، من حيث يدرون أو لا يدرون، جوهر الدولة الحديثة نفسها؛ دولة لا تُرتب الحقوق والواجبات على أساس الدين أو العرق أو القبيلة أو النوع أو الانتماء السياسي، وإنما على أساس المواطنة المتساوية. دولة تقف على مسافة واحدة من جميع مواطنيها، وتحمي حق كل فرد في الاعتقاد والاختلاف والمشاركة في الشأن العام.
فإذا كان هذا هو المقصود بدولة المواطنة، فأين موضع الخلاف؟
ومن يتحدث عن الدولة المدنية بوصفها دولة المؤسسات والقانون، واستقلال القضاء، والفصل بين السلطات، وحياد أجهزة الدولة، فعمَّ يختلف في الجوهر مع هذا التصور؟
لقد تحول النقاش، في جانب كبير منه، إلى ما يشبه الجدل اللغوي. نختلف حول المصطلحات بينما نتفق، أو يكاد أغلبنا يتفق، حول المبادئ الأساسية. ننشغل بتعريف الكلمات ونترك الأسئلة التي تحدد مصير البلاد: كيف نبني قضاءً مستقلاً؟ كيف نمنع احتكار السلطة؟ كيف نحمي الحقوق والحريات؟ كيف نؤسس إدارة عامة لا تميز بين المواطنين؟ كيف نضمن تداولاً سلمياً للسلطة؟ وكيف نمنع استخدام الدين أو القبيلة أو السلاح وسيلة للهيمنة السياسية؟
هذه هي الأسئلة التي تبني الدول أو تهدمها.
أما الإصرار على إبقاء الساحة السياسية أسيرة للجدل حول الأسماء، فيدفع إلى سؤال مشروع: من المستفيد من ذلك؟
من الذي يريد للسودانيين أن يظلوا غارقين في معارك المصطلحات بينما تتوارى ملامح الدولة التي ينشدونها خلف الضجيج؟ ومن الذي يجد مصلحته في صرف الأنظار عن قضايا المؤسسات والحقوق وسيادة القانون إلى جدل لا ينتهي حول التعريفات والشعارات؟
لقد جرب السودان، كما جربت دول كثيرة غيره، أن العبرة ليست بالاسم الذي تحمله الدولة، وإنما بطبيعة السلطة التي تديرها. فكم من دولة رفعت شعارات دينية وانتهت إلى الاستبداد والفساد، وكم من دولة رفعت شعارات مدنية أو ثورية ثم صادرت الحريات وأهدرت الحقوق. ليست القضية في اللافتة المعلقة على باب الدولة، بل في القواعد التي تحكمها والمبادئ التي تقوم عليها.
ولهذا فإن المواطن السوداني العادي، المنشغل بأمنه ورزقه ومستقبل أبنائه، لا يعنيه كثيراً ما إذا كان السياسيون سيطلقون على الدولة اسم “مدنية” أو “علمانية” أو “دولة مواطنة”. ما يعنيه هو أن يعيش في وطن لا يُسأل فيه عن قبيلته قبل أن ينال حقه، ولا عن دينه قبل أن يحصل على فرصته، ولا عن موقفه السياسي قبل أن يتمتع بحماية القانون.
الدولة التي يحتاجها السودان ليست لغزاً فكرياً معقداً. إنها دولة القانون والمؤسسات، دولة الحقوق والحريات، دولة المساواة الكاملة بين المواطنين. دولة تكون فيها المواطنة أساس الحقوق والواجبات، وتسترشد بمواثيق حقوق الإنسان، وتحترم كرامة الفرد وتصون حرياته الأساسية. دولة يخضع فيها الحاكم والمحكوم للقانون نفسه، ويقف الجميع أمام القضاء على قدم المساواة.
من من أهل السودان، على اختلاف أديانهم ومعتقداتهم وخلفياتهم الفكرية، يمكن أن يعترض على هذا النموذج؟ ومن الذي يرفض دولة تحمي حقوقه كما تحمي حقوق خصمه السياسي، وتحفظ كرامته كما تحفظ كرامة من يختلف معه؟
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى معركة جديدة حول المصطلحات، بل إلى اتفاق وطني واسع حول المبادئ. فإذا اتفقنا على الدولة التي نريدها في جوهرها، أصبح الاسم مسألة ثانوية يمكن لكل طرف أن يسميها بما يشاء.
أما البقاء في دائرة الجدل نفسها، فهو ترف لم يعد السودان يحتمله.
لقد آن الأوان للانتقال من سؤال: ماذا نسمي الدولة؟ إلى سؤال أكثر أهمية: كيف نبني دولة تليق بالسودانيين؟
فالأمم لا تنهض بالأسماء، وإنما بالمؤسسات. ولا تُقاس مكانتها بالشعارات، بل بمدى احترامها للإنسان وحقوقه. وإذا أردنا للسودان مكاناً يليق به بين الأمم، فهذه هي الدولة التي ينبغي أن تكون موضع اتفاق بين جميع العقلاء، مهما اختلفت التسميات.
