د. فضل محي الدين طاهر
قبل نحو 650 عاماً، عقد ابن خلدون في «المقدمة» فصلاً عنوانه «التجارة من السلطان مضرة بالرعايا ومفسدة للجباية». وخلاصته أن الحاكم إذا دخل السوق أضرّ بالناس وأفسد الجباية معاً.
ماذا قصد ابن خلدون؟
الحاكم ليس تاجراً عادياً. هو من يضع القانون ويطبقه، ويملك الجيش والشرطة والجمارك. فإذا دخل السوق بماله وسلطته لم ينافس بل احتكر: يفرض رسماً على منافسه ويعفي شركته. فيفسد الحكم لأنه يتحول إلى جباية ومحسوبية بدل العدل، وتفسد التجارة لأنها تتحول من منافسة شريفة إلى اقتصاد ريعي قائم على الولاء. وهذا ما جرى في السودان.
كيف تعاطت النخب التجارة؟
للحروب أسباب سياسية وإثنية وأمنية متشابكة، لكن أحد أعمق جذورها أن النخب الحاكمة منذ عقود تعاطت التجارة، فأنتجت اقتصاداً يوزع الفرص بالولاء لا بالكفاءة.
دخلت الدولة في الذهب فاحتكرته، وفي السمسم والصمغ العربي فأفسدتهما، وفي الاستيراد والتصدير فخنقتهما. وظهرت شركات رمادية تتبع أجهزة الدولة، لا تدفع جمارك ولا ضرائب، وتحصل على الدولار المدعوم والعقود بلا عطاءات.
ومن هنا وُلد التهميش. المزارع في القضارف ينتج ويخسر، والوسيط المحمي من السلطة يربح. والتاجر في عطبرة وبورتسودان يغلق متجره لأن منافسه ابن مسؤول معفى من كل شيء. فالتهميش نتيجة اقتصادية مباشرة لتعاطي الحاكم للتجارة، وحين يتراكم تنفتح أبواب الصراع وتصبح السيطرة على الموارد وقود الحرب.
وهذه لحظة النهاية كما يقتضيها منطق ابن خلدون:
يغلق التاجر دكانه لا كسلاً، بل لأن البيع صار خسارةً والشراء صار مغامرة. تتجمد حركة السوق، وتختفي السيولة، ويقف المواطن أمام السلعة فيتغير سعرها قبل أن يمد يده بثمنها. يهبط الجنيه في ساعات، فيبتلع مدخرات أسابيع.
وحين يعم هذا الحال يتحول الإغلاق الي ثورة اجتماعية عارمة تقودها البطون الخاوية. وهذه هي الصورة التي يذهب إليها السودان اليوم: إضراب مفتوح بدأ في عطبرة وشندي ثم امتد، وإغلاق جماعي للمحال في الخرطوم. إنها لحظة الحقيقة التي عبّر عنها ابن خلدون : «الظلم مؤذن بخراب العمران».
فما الحل؟ التاريخ يقول إن الحاكم لا يردع نفسه بنفسه. نحتاج إلى قيد خارجي مؤسسي يلزمه بالخروج من السوق، وهنا يأتي دور ملف انضمام السودان إلى منظمة التجارة العالمية لإنقاذ ما يمكن انقاذه . وللعضوية فيها خمس وظائف:
أولاً: تفصل بين الحكم والتجارة بقواعد ملزمة. فنظام المنظمة يقوم على الشفافية وعدم التمييز، فلا يجوز للدولة أن تمنح شركة تابعة لها معاملة لا تمنحها لغيرها. وهذه التزامات قانونية دولية، لا وعود وزير.
ثانياً: تحوّل المنافسة من «من تعرف؟» إلى «ماذا تنتج؟». فحين تكون القواعد واحدة ومنشورة، يستطيع المزارع في الجزيرة والتاجر في كسلا أن ينافسا شركات الخرطوم المحمية بشروط أقرب، ويصير الإنتاج معياراً لا القرب من السلطة.
ثالثاً: تضيّق باب الانتكاس. فما الذي يمنع أي حكومة قادمة من العودة إلى التجارة؟ الالتزامات الدولية تجعل الرجوع مكلفاً لأنها تعرض الدولة لشكاوى من شركائها ولإجراءات مقابلة. ولا أزعم أنه قفل محكم، فآلية فض النزاعات تحركها الدول لا الأفراد، وجهاز الاستئناف فيها معطل منذ 2019، لكنه قيد حقيقي يرفع كلفة العودة إلى الريع.
رابعاً: تدفع نحو رسوم وإجراءات أوضح وقاعدة أوسع. فالانضمام يفرض نشر الرسوم وتوحيد إجراءاتها، فيغري التاجر بدخول النظام الرسمي الطارد اليوم. وحين يتسع الوعاء قد تزيد الإيرادات رغم انخفاض الرسوم، على منطق منحنى لافر. والكلفة حقيقية: فالتعريفات مصدر إيراد كبير للخزينة، وخفضها يضغط عليها قصير المدى، لذلك يجب أن يتدرج ويقابله توسيع للقاعدة الضريبية.
خامساً: تمنح المواطن معياراً لمساءلة الحكومات القادمة. فالحكومة التي تفتح ملف الانضمام وتنشر مراحل التفاوض تقدم دليلاً على أنها لا تخشى الشفافية، أما التسويف فيثير التساؤل عمن يستفيد من بقاء الغموض.
ما حدود هذا الرهان؟
نحن لا نقول إن هذه المنظمة مثالية. لها إرث طويل من خدمة الدول المتقدمة على حساب النامية، وقد استخدمتها القوى الكبرى أحياناً لفتح أسواق الفقراء لشركاتها العملاقة. والقواعد وحدها لا تكفي، فهي تعالج السياسات التجارية والإجراءات عند الحدود أكثر مما تعالج الشركات الأمنية أو التهريب الداخلي. وطلب السودان معلق منذ التسعينيات، والحرب تجعله أبعد.
لكن السؤال الذي يواجه السودان اليوم ليس: هل النظام التجاري العالمي عادل؟ بل: ما الخيار المتاح للخروج من الحلقة المفرغة؟
حن بلد أنهكته عقليات ريعية، نُهبت موارده باسم السيادة وبيعت في الخفاء بأبخس الأثمان. وفي هذه الحال يصبح الانضمام إلى منظومة قانونية دولية، ولو كانت ناقصة، هو الخيار الأقل سوءاً والأكثر واقعية. ولن يكون هذا حباً في المنظمة، بل كرهاً للفساد، واستعمالاً لقواعدها قيداً مؤسسياً على اقتصاد الريع.
وبناء علي ذلك ينبغي ان يكون ملف الانضمام حاضراً في الجهود المبذولة لوقف الحرب والتوصل إلى اتفاق سلام دائم في السودان.
