الدولة المدنية من منظور تأصيلى “مدنية السلطة ودينية أصول التشريع”

د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الإسلامية في جامعة الخرطوم

التعدد الدلالى : لمصطلح ” الدولة المدنية “- ككل المصطلحات- دلالات متعددة :

أولا :الدلالةالعامة- المشتركة: تتمثل في الدولة المدنية كمفهوم مجرد’ نظرى’ ، تشترك في فهمه كل الفلسفات والمناهج . ومضمون هذه الدلالة له جانبين:

أ/ جانب اثباتى :مضمونه أن الدولة المدنية تقوم على إسناد السلطة السياسية للشعب، وبالتالي فان الحاكم فيها نائب ووكيل عنه ، لها حق تعيينه ومراقبته وعزله، ويتصل بهذا الجانب الإيجابي ان السلطة في هذه الدولة المدنية ،تتأسس على جمله من المفاهيم:
كالمواطنة وسيادة القانون والديموقراطيه…
“مقومات الدولة المدنية “.

ب/ جانب نافى: مضمونه أن الدولة المدنية نقيض للدولة الثيوقراطية “الدولة الدينية بالمعنى الغربي وليس بالمفهوم الإسلامى”، التي ينفرد الحاكم فيها بالسلطة السياسية دون الشعب ، كنتيجة لازمه لإنفراده بالسلطة الدينيه – المقيدة والمطلقة- دونه .

ثانيا :دلالة خاصة- منفردة :ومثال لهذه الدلالة الدولة المدنية كما جرى تطبيقها في واقع المجتمعات الغربية ، وطبقا للمفهوم الليبرالي” العلمانى” للدولة المدنية .

المواقف المتعددة الدولة المدنية في المجتمعات المسلمة المعاصرة :

أولا: موقف الرفض المطلق” الجمود والعزلة الحضارية” : اى رفض كافه دلالات مصطلح “الدولة المدنية” . ويمثله تيار التقليد الذى مضمونه إتباع قول القائل بدون دليل، والذى يرفضه تناقض مع منهج المعرفة الاسلامى، وذمه العلماء المسلمين. والذى يلزم منه الجمود ،والعزله عن الإسهامات الحضارية، للأمم الاخرى- المستحيلة فعليا فى عصرنا – والذى لا يعبر عن الموقف الاسلامى الصحيح منها.

ثانيا: موقف القبول المطلق” التغريب والإستلاب الحضارى” : اى قبول كافه دلالات مصطلح “الدولة المدنية” . ويمثل تيار التغريب ، الذى يرى أن التقدم الحضارى للأمة غير ممكن الا بإجتثات جذورها ” الدينية والحضارية” والذى يلزم منه الإستلاب الحضارى.

نقد مشترك للموقفين : و رغم إختلاف الموقفين فى المقدمات النظرية – الى درجة التناقض- فانهم ينتهون – فى الواقع التطبيقى – الى ذات النتيجة ، اى عدم التمييز بين الدلالات الإيجابية والسلبية للمصطلح.

الموقف التقويمى’ النقدى” الأصالة والمعاصرة ‘: يتجاوز موقفي الرفض المطلق أو القبول المطلق للدولة المدنية، إلى موقف تقويمى نقدي منها، يقوم على التمييز بين الدلالات المتعددة لمصطلح الدولة المدنية ، وبالتالى قبول دلالاته الإيجابية ورفض دلالاته السلبية. وهو يستند الى موقف يجمع بين الأصالة والمعاصرة ، من خلال استيعاب الإسهامات الحضاريه التى لا تتناقض مع ثوابت الدين النصية، سواء من إبداع المسلمين او الأمم الأخرى، ويستند إلى مفهوم التجديد، المنضبط قيميا ودينيا.

المنظور التأصيلي لمفهوم الدولة المدنية:

إتساق مفاهيم وقواعد المنظور السياسي الاسلامى مع الجانب الاثباتى، لمضمون الدلالة العامة- المشتركة، لمصطلح الدوله المدنية:

ا/ استخلاف الجماعة في الأمر ” السلطة” والشورى ( وأمرهم شورى بينهم).

ب/ تعريف علماء أهل السنة للبيعة ” عقد مرضاه وإختبار لا يدخله إكراه ولا إجبار ” و ” الإمام نائب ووكيل للمسلمين “، فهو متسق مع كون الحاكم في الدولة المدنية نائب ووكيل عن الشعب، له حق تعينه ومراقبته وعزله .

ج/ تقرير علماء أهل السنه الامامه “السلطة” من فروع الدين وليست من أصوله .خلافا للمذهب الشيعى.

د/ تقرير علماء أهل السنة أن السياسة الشرعية هي كل ما يحقق مصلحه الجماعة ولو لم يرد فيه نص ” فهي اتساق –وليس تطابق -مع النص ” .

ه/ تقرير كثير من علماء أهل السنة عدم حجِّية التصرفات النبوية الدنيوية.

إقرار المنظور السياسي الاسلامى لمقومات الدولة المدنية :

مفهوم المواطنة: اقر الإسلام مفهوم المواطنة، الذي يشمل المسلمين وغير المسلمين، وهو ما يتضح من خلال وثيقة الصحيفة، التي كانت بمثابة دستور لدولة المدينة( أنَّ يهود بني عوف أمَّة مع المؤمنين …).

مفهوم سيادة القانون:المنظور القانوني الاسلامى، يتسق مع مفهوم سيادة القانون، طبقا لدلالته العامة- المشتركة.

أولا: فهو يتفق مع التفسير الشكلي للمفهوم، والمتعلق بوجوب وجود قانون ينظم حركه المجتمع ، قال تعالى{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ً)[الأحزاب: 36] .

ثانيا: كما يتفق مع التفسير الجوهري للمفهوم، والمتعلق بالتزام الدولة – ممثلة في سلطاتها التشريعية والتنفيذية- بالقانون ومعاييره، قال الرسول”صلى الله عليه وسلم” ( لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها).

مفهوم الديموقراطيه:الموقف الإسلامى ” الصحيح” من المفهوم ،يتجاوز موقفي الرفض أو القبول المطلقين له ، الى موقف تقويمى’ نقدي’ منة ، يميز بين دلالتة العامة- المشتركة للمفهوم، تتضمن الديموقراطية كنظام فني لضمان سلطة الشعب، ضد استبداد الحكام. وبالتالى يمكن اعتبارها تطبيق عملى لمفهوم الشورى . أما الدلالة الخاصة المنفردة للمفهوم، ومثالها الصيغه الليبرالية للديموقراطيه ، فيقوم الموقف الصحيح منها على قبول ما لا يناقض أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة، رفض ما تناقض معهما .

رفض المنظور السياسي الاسلامى للثيوقراطيه :

1/ ليس في الإسلام سلطه دينيه مطلقه ” التحليل و التحريم بدون نص قطعي “
:قال تعالى ( وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ.)(النحل:116).

2/الحكام لا ينفردون بسلطة دينيه مقيده” الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر “: فهى مخوله – في الإسلام – بموجب عموم الاستخلاف العام لجماعة المسلمين﴿ كنتم خير أمه أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾، أما اى جماعه من المسلمين – ومنها جماعة الحاكم ونوابه – فهي مكلفه بالأمر بالمعروف او النهى عن المنكر من باب التخصص، وليس الانفراد كما فى قوله تعالى(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر )(آل عمران: 104).

3/الحكام لا ينفردون بالسلطة السياسيه: فالمنظور السياسي الاسلامى، يسند السلطة السياسية ” التي عبر عنها القران بمصطلح الأمر” إلى الجماعة- بموجب عموم الإستخلاف ايضا – قال تعالى ﴿ وأمرهم شورى بينهم). و الحاكم فنائب ووكيل عن الجماعة، لها حق تعينه ومراقبته وعزله ، يقول أبو يعلي (الخليفة وكيل للمسلمين)

هذا الرفض الإسلامى للثيوقراطية، يندرج تحت اطار ، الجانب النافي للدلالة العامة المشتركة لمصطلح ” الدولة المدنية “، لأن الدولة الثيوقراطية نقيض للدوله المدنية

الموقف الصحيح من الدلالة الخاصة- المنفردة للمصطلح : ومثال لها المفهوم الليبرالي للدولة المدنية، كما جرى تطبيقه فى واقع المجتمعات الغربية. وهو الموقف النقدي، الذي يقوم على رفض ما خالف ثوابت الدين- على المستوى النظري- وواقع المجتمعات المسلمة- على المستوى العملي – وقبول ما وافقهما.

مفهوم الدولة المدنية و مشكله العلاقة بين الدين والدولة:

الحل الأول (الخلط الثيوقراطي) : يقوم على الخلط بين الدين والدولة، وجعل العلاقة بينهم علاقة تطابق، ومثال له الثيوقراطية ” الدولة الدينية بالمفهوم الغربي وليس بالمفهوم الإسلامى ” ، التي مضمونها إنفراد الحاكم بالسلطة السياسية دون الشعب ، كنتيجة لازمه لإنفراده بالسلطة الروحية “الدينية “- المقيدة والمطلقة- دونه . وهذا الحل ينتهي إلى القول بدينية السلطة والتشريع معا ، اى نفى مدنية السلطة .

الحل الثاني(الفصل العلمانى): يقوم على فصل الدين عن الدولة، اى فصل السلطة الروحية “الدينية” عن السلطة السياسية، ومثال له العلمانية . وهذا الحل يقول بمدنية السلطة والتشريع معا، اى ينفى دينية التشريع- على مستوى أصوله وفروعه –

الحل الإسلامي “الصحيح”( التمييز والإرتباط) “: يقوم على أن علاقة الدين بالدولة هى علاقة:

اولا: وحدة وإرتباط – وليست علاقة خلط أو تطابق كما فى الثيوقراطيه- لأن السلطة في الإسلام مقيدة بمفاهيم وقيم قواعد كليه “كالشورى والعدل والمساواة….”.

ثانيا: علاقة تمييز – وليست علاقة فصل، كما في العلمانية- لأن الإسلام ميز بين التشريع كوضع الهي ثابت، والإجتهاد ككسب بشرى متغير.

فالمنظور السياسي الاسلامى إذا يقوم على مدنية السلطة – وفروع التشريع الإجتهادية- ودينية اصول التشريع .

فالمنظور التأصيلى للدولة المدنية اذا:

اولا: يتجاوز الثيوقراطية، التى تنفى الدولة المدنية – على مستوى السلطة والتشريع.

ثانيا: كما يتجاوز المنظور العلمانى للدولة المدنية، الذى ينفى دينية تشريعها ،على مستوى أصوله وفروعة.

ثالثا: يقر بالدولة مدنية، ويقرر مدنيتها ، على مستوى السلطة وتشريعها على مستوى فروعه الإجتهادية . وفى ذات الوقت يقرر دينية تشريعها، على مستوى أصوله النصية.

عن د. صبري محمد خليل

شاهد أيضاً

عن المظاهر السلبية للمثقفين السودانيين

د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفة القيم الإسلامية في جامعة الخرطوم إفراز التخلف وأحد …