دكتور محمد عبدالله
عندما نُشر كتاب “الديمقراطية غير المكتملة في السودان: وعد وخيانة ثورة شعب” في عام 2022، بدا وكأنه محاولة لتوثيق أحد أكثر الأيام إشراقاً في تاريخ السودان – الفترة التي أطاحت فيها الثورة بحكومة عمر البشير بعد ثلاثين عاماً من الحكم. لكن القارئ الذي يعود إلى هذا الكتاب اليوم بعد حرب أبريل 2023 ودمارها يجد ان الكتاب لم يكن فقط لتسجيل أحداث الثورة بل محاولة أولية لفهم الفجوات التي كانت تتطور في عمق المشهد السياسي السوداني.
الكتاب، الذي هو عمل ويلو بيريدج، جاستن لينش، رجا مكوي وأليكس دي وال، يبدأ بفرضية بسيطة ولكن لها دلالة ثقيلة: الثورة السودانية استطاعت الإطاحة برأس النظام، لكنها لم تنجح في إكمال مشروع الانتقال الديمقراطي. ومن هنا جاء اسمه: الديمقراطية غير المكتملة.
ومع ذلك، فإن أهمية الكتاب ليست فقط في النتيجة نفسها؛ بل أيضًا في كيفية الوصول إليها.
لا يرى المؤلفون أن ثورة ديسمبر كانت حدثاً مفاجئاً اندلع من فراغ، بل كانت استمراراً لتقليد سوداني طويل من الانتفاضات الشعبية. ومن ثورة أكتوبر 1964 إلى انتفاضة أبريل 1985 إلى الاحتجاجات الأخيرة في ديسمبر 2018، استمر الشارع السوداني في إنتاج أنواع جديدة من المقاومة المدنية ضد السلطة العسكرية أو الاستبدادية.
لكن التاريخ، كما يلاحظ المؤلفون، لا يعيد نفسه بنفس الطريقة. هذه المرة واجهت الثورة دولة أكثر تعقيداً من سابقاتها، وهيكل سلطة لم يعد يتكون فقط من الجيش بل من العديد من الأجهزة الأمنية، والشبكات الاقتصادية الواسعة والفصائل المسلحة التي ظهرت خارج الجيش.
هنا تبرز واحدة من الأطروحات الرئيسية للكتاب: سقوط البشير لم يكن يعني بالضرورة سقوط النظام.
وفقاً للكتاب، الأنظمة السياسية ليست مجرد أفراد بل مؤسسات وعلاقات ومصالح تنمو مع مرور الوقت. عندما غادر البشير السلطة، كانت أجزاء كبيرة من هذا النظام لا تزال موجودة، لذا بدأ الانتقال في تناقض أساسي: قوى مدنية ذات شرعية شارع وقوى عسكرية ذات أدوات قوة فعلية.
من هذه النقطة، يبدأ الكتاب في شرح تعثر الانتقال الديمقراطي.
بالنسبة للمؤلفين، لم تكن الشراكة التي تطورت بين المدنيين والعسكريين بعد سقوط النظام تعبيراً عن توافق سياسي حقيقي، بل كانت انعكاساً للقوة على الأرض. لذا كانت عند الولادة مصدر توتر منذ البداية. كل طرف تحدث عن الشراكة، ولكن من منظور مختلف. رأى المدنيون أنها جسر للحكم الديمقراطي، بينما رأى العسكريون أنها وسيلة لإدارة الانتقال دون فقدان النفوذ الذي تراكم لديهم على مدى عقود.
لا يقع الكتاب تحت السرد الشامل للمسؤولية الكاملة في المؤسسة العسكرية. كما ينتقد بصراحة القوى المدنية أيضاً ، مشيراً إلى انقساماتها وصراعاتها وفشل المركز السياسي المنقسم في تشكيل مركز سياسي موحد للمرحلة الانتقالية. أزمة السودان، في نظر المؤلفين، لم تكن فقط أزمة عسكرية بل أيضاً أزمة نخبة سياسية .
ربما هذه واحدة من نقاط قوة الكتاب، في رأيي: أنه يتجنب التفسيرات الأخلاقية البسيطة للقصة التي تقسم المشهد إلى أبطال وأشرار ويحاول فهم تعقيداتها الداخلية؛ يحاول فهم كل شيء.
لجان المقاومة هي من بين الفصول الأكثر إثارة للاهتمام التي يتم مناقشتها. يعتقد المؤلفون أنها التعبيرات الأكثر أصالة عن روح الثورة السودانية وربما التجربة السياسية الأكثر ابتكاراً التي أنتجتها. لم تكن هذه اللجان أحزاباً تقليدية أو حركات مسلحة، بل شبكات محلية قائمة في الأحياء التي ظهرت، واستطاعت ابتكار نوع جديد من التنظيم والعمل العام الذي استطاعت القيام به.
يكاد الكتاب يقترح أن الأمل الحقيقي في تجديد الحياة السياسية السودانية يكمن في هذه الهياكل الشعبية أكثر من الأحزاب التقليدية التي ورثت أزمات وانقسامات الماضي.
كما يبرز الكتاب الدور الحاسم للنساء في الثورة، ليس فقط كرموز إعلامية أو صور أيقونية بل كمشاركات في الحركة الشعبية والتنظيم المجتمعي. ومع ذلك، يكتبون أن هذا الوجود في الشارع لم ينعكس في دوائر صنع القرار في الفترة الانتقالية (كما يقول المؤلفون).
لكن القراءة من الموقف الحالي تطرح سؤالًا مختلفًا: ما الذي تبقى من أطروحات الكتاب بعد اندلاع الحرب؟
هنا، تأخذ الصفحات طابع النبوءات، لم يكن بالضرورة مقصوداً . نُشر الكتاب قبل الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع لكنه يكاد يصف العديد من الظروف التي أدت إليها. الحديث عن تعدد مراكز القوة المسلحة، وغياب الإصلاح الأمني والعسكري، وهشاشة المؤسسات المدنية، والاقتصاد الموازي الذي تسيطر عليه قوات مسلحة مختلفة كلها أصبحت لاحقاً جزءاً من تفسير الحرب نفسها.
من هذا المنظور، يبدو الكتاب اليوم أقل اهتماماً بسرد قصة الثورة وأكثر أهمية كتشخيص لأزمة الدولة السودانية.
لكن العمل ليس بدون انتقادات. قد يعتقد بعض القراء أن المؤلفين يركزون بشكل كبير على الفاعلين المدنيين الشباب ولجان المقاومة وأقل على الهياكل الاجتماعية التقليدية والتوازنات القبلية والإقليمية التي أثرت في السياق السوداني. يبدو تفاؤلهم بإمكانية الانتقال الديمقراطي أقل إقناعاً بالنظر إلى ما انتهى إليه البلد اليوم.
لكن هذه الملاحظات لن تنتقص من القيمة الأساسية للكتاب.
يبقى واحداً من أهم الأعمال التي تناولت الثورة السودانية باللغة الإنجليزية، ليس لأنه يقدم إجابات نهائية، بل لأنه يطرح الأسئلة الصحيحة: لماذا يتعثر الانتقال الديمقراطي في السودان؟ لماذا تتكرر الدورة التاريخية بين الثورة والانقلاب؟ وكيف يمكن بناء دولة مدنية مستقرة في وجود مؤسسات عسكرية وأمنية متعددة ومتنافسة؟
بعد حرب 2023 لم تعد هذه الأسئلة أسئلة أكاديمية ولم تعد نقاشاً فكريًا. إنها أسئلة وجودية حول مستقبل السودان نفسه.
وربما تكون أكبر مفارقة هي أن الكتاب الذي كُتب لتوثيق لحظة أمل أصبح، على مر السنين، وثيقة تساعد في فهم لحظة انهيار. وهذا وحده يكفي لجعله واحداً من الكتب القليلة التي حاولت قراءة السودان في واحدة من أكثر مراحله تعقيدًا.
muhammedbabiker@aol.co.uk
