إذا أردنا فهم أزمة الديمقراطية في السودان، فلا يكفي أن نتحدث عن الانقلابات العسكرية أو التدخلات الخارجية، بل ينبغي أيضاً أن نتأمل الثقافة السياسية التي ورثناها عن جيل الاستقلال. فالمشكلة لم تكن في غياب الأفكار والشعارات، وإنما في ضعف الاهتمام بالإجراءات الديمقراطية والمؤسسات التي تحمي الحقوق والحريات وتضمن التداول السلمي للسلطة.
وتكشف حادثتان بارزتان في تاريخ السودان الحديث عن هذا الخلل.
الأولى تمثلت في قرار حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان في منتصف ستينيات القرن الماضي على خلفية حديث أدلى به أحد الطلاب في ندوة عامة اعتُبر مسيئاً لآل بيت النبي. وبدلاً من مساءلة الشخص المعني وفق القانون، جرى تحميل الحزب بأكمله المسؤولية السياسية والأخلاقية. وقد شاركت معظم القوى السياسية آنذاك في هذا القرار، باستثناء قلة من الأفراد والحزب الجمهوري. كان ذلك سابقة خطيرة فتحت الباب أمام استخدام الأغلبية البرلمانية لتجريد الخصوم السياسيين من حقوقهم الدستورية.
أما الحادثة الثانية فجاءت في إطار ميثاق أسمرا للقضايا المصيرية الذي أقرته قوى التجمع الوطني الديمقراطي في منتصف تسعينيات القرن الماضي. فقد نص الميثاق على منع قيام أي حزب على أساس ديني، وكان المقصود عملياً عزل الحركة الإسلامية عن الحياة السياسية. والمفارقة أن الموقعين على الميثاق، ومن بينهم الحزب الشيوعي، وقعوا في منطق الإقصاء نفسه الذي كانوا ينتقدونه لدى خصومهم. كما أن النص تجاهل حقيقة أن أكبر حزبين في السودان نشآ تاريخياً على أساس ديني وطائفي.
في تقديري، لم تكن المشكلة في المرجعية الدينية أو الفكرية للحزب السياسي، وإنما في مدى التزامه بالديمقراطية وحقوق الإنسان. فمن حق أي مجموعة من المواطنين أن تؤسس حزباً يستلهم قيمه من الدين أو من أي فلسفة أو عقيدة أخرى، شريطة أن يلتزم بالدستور وبمبادئ المواطنة المتساوية وأن يقدم برامج واضحة في الاقتصاد والتعليم والصحة والإدارة والسياسة الخارجية. أما الشعارات العامة من قبيل «ربط قيم السماء بالأرض» أو غيرها من العبارات الفضفاضة فلا يمكن أن تكون بديلاً عن البرامج والسياسات القابلة للمساءلة.
لقد أخطأ جيل الاستقلال حين لم يمنح المؤسسية ما تستحقه من اهتمام. وكان الأولى منذ الاستقلال وضع قواعد دستورية وقانونية تمنع تسجيل أي حزب يتعارض نظامه الأساسي مع الديمقراطية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. فالدولة ليست مطالبة فقط بضمان حق التنظيم السياسي، وإنما أيضاً بحماية حقوق المواطنين الأساسية، وفي مقدمتها حرية التعبير وحرية الضمير والمساواة أمام القانون.
ومن أهم مظاهر الخلل في التجربة السودانية الخلط بين الحزب السياسي ومنظمة العمل البيروقراطية. ففي المؤسسات الحكومية والشركات يتم التصعيد الوظيفي عبر التعيين والترقية وفق التسلسل الإداري، وتقوم العلاقة على الرئاسة والمرؤوسية والانضباط الوظيفي. أما الحزب السياسي الديمقراطي فمصدر الشرعية فيه هو الانتخاب، والسلطة الحقيقية يجب أن تكون في يد العضوية التي تختار قياداتها وتحاسبها وتستبدلها متى شاءت.
غير أن كثيراً من الأحزاب السودانية تأثرت بثقافة التنظيمات المغلقة أكثر من تأثرها بثقافة الأحزاب الديمقراطية. فترسخت لدى قطاعات واسعة من السودانيين فكرة حماية القيادات الحزبية والمحافظة على هيبتها، بدلاً من حماية حقوق القواعد الحزبية. وأصبح الاختلاف مع القيادة يُنظر إليه باعتباره خروجاً على الانضباط، لا حقاً ديمقراطياً مشروعاً.
وفي الديمقراطيات الراسخة، يملك عضو الحزب الحق في إعلان رأيه المخالف لقيادة حزبه، بل يحق له في بعض الأحيان التصويت ضد موقف الحزب داخل البرلمان. كما يحق له السعي لإقناع بقية الأعضاء بوجهة نظره عبر ما يعرف بالتيارات أو جماعات الضغط الداخلية (اللوبيات)، وهي ممارسات طبيعية في الحياة الحزبية الديمقراطية. فالحزب ليس مؤسسة عسكرية ولا جهازاً بيروقراطياً، وإنما فضاء للتنافس الحر بين الأفكار والبرامج.
أما في العديد من الأحزاب العقائدية السودانية، سواء كانت إسلامية أو شيوعية أو قومية أو حتى تقليدية، فقد جرى التعامل مع التعدد الفكري داخل الحزب باعتباره تهديداً لوحدته التنظيمية. وأصبح من واجبات العضو الدفاع عن قرارات القيادة حتى لو لم يكن مقتنعاً بها، بينما عُدّت محاولات تكوين تيارات إصلاحية أو حشد التأييد لأفكار جديدة نوعاً من التكتل المرفوض الذي قد يؤدي إلى العقوبات أو الفصل.
ولعل ما تعرض له الدكتور الشفيع خضر قبل فصله من الحزب الشيوعي عام 2016 يمثل نموذجاً لهذه العقلية، إذ كان من بين الاتهامات التي وُجهت إليه السعي إلى تكوين تكتل يدعو إلى مراجعات فكرية وتنظيمية بعد المتغيرات الكبرى التي شهدها العالم عقب انهيار الاتحاد السوفيتي. كما شهدت الحركة الإسلامية والأحزاب التقليدية حالات مشابهة، حيث كان الإعلان عن فصل المخالفين يتم أحياناً عبر الصحف وعلى طريقة “إلى من يهمه الأمر سلام “.
إن أزمة الديمقراطية في السودان لم تكن مجرد أزمة انتخابات أو دساتير، بل كانت قبل ذلك أزمة ثقافة سياسية. فقد انشغلت الأحزاب بالدفاع عن حقها في الوجود والتنظيم، لكنها كثيراً ما أهملت حق أعضائها في الاختلاف والتعبير الحر والمشاركة الحقيقية في صنع القرار. ولذلك لم يكن مستغرباً أن تعجز كثير من هذه الأحزاب عن بناء دولة ديمقراطية حديثة، لأنها لم تنجح أولاً في بناء مؤسسات ديمقراطية داخلها.
فالديمقراطية لا تبدأ من البرلمان ولا من صندوق الاقتراع فقط، بل تبدأ من داخل الحزب نفسه، عندما يصبح حق العضو العادي في الاختلاف والنقد والمبادرة مصوناً بقدر ما تُصان مكانة القيادة. وعندما يتحقق ذلك، يصبح الانتقال من ديمقراطية الأحزاب إلى ديمقراطية الدولة أمراً ممكناً، لا مجرد شعار يتكرر في البيانات والخطب السياسية.
طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com
