الديمقراطيون يُفضلون الطغاة

 


 

 

المراقب للمشهد الإقليمي والدولي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا تفوت عليه الفطنة في قراءة الخارطة الأمنية والإستراتيجية للمنطقة، بالتحديد ما يتعلق بحساسية الأمن الإسرائيلي كأحد الهموم الرئيسية التي تنال أولوية إهتمامات السياسات الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي ودول العالم الأول، على قدم المساواة.
بالمقابل فإن الفطنة لا تنقص هذه الدول بدورها في استيعاب أن شعوب الإقليم تناصر بأغلبية ساحقة الحق الفلسطيني في الأرض المحتلة في مواجهة إسرائيل، وأن الشواهد تشير لأن الحكومات القائمة في المنطقة طالما كانت محل نقد وإتهام من قِبَلِ شعوبها فيما يتعلق بتقاعسها الفاضح تجاه مناصرة الحق الفلسطيني، لما تمثله تلك المناصرة من تجاوب موضوعي مع حقوق شعب مقهور، قبل أن تكون مشاعر تنضح بالإنتماء الإثني والديني تجاه الضحايا.. وتجاه التمادي في الإستيلاء على الأرض، والعنصرية والتهجير القسري الذي تمارسه الصهيونية العالمية في مواجهة أصحاب الأرض الأصليين.
لهذا السبب ولأسباب أخرى عديدة تتعلق بمصالحها الأخرى في الإقليم، فإن تلك القوى العالمية مجتمعة، ستعمل بكل ما في وسعها للحيلولة دون أن تجد تلك الإرادة الجياشة لشعوب المنطقة طريقها للأوعية السياسية والتشريعية في بلادها. وبالطبع فإن قيام حكومات مدنية وبرلمانات منتخبة من قبل شعوبها بالشفافية الكافية التي تجعل تلك الحكومات وبرلماناتها، خاضعة للمساءلة الشعبية تجاه وعودها الإنتخابية، بالضبط كما يحدث في دول الديمقراطية النيابية في أوروبا، فإن ذلك من شأنه أن يتيح لتلك الأشواق الشعبية المساندة لقضية الشعب الفلسطيني، أن تتسلل لتجد طريقها للتشكل من خلال التشريعات والقوانين، وحتى الإستراتيجيات المالية والعسكرية لكافة دول المنطقة.
ليس الشعب السوداني صاحب اللاءات الثلاث بطبيعة الحال، إستثناءً فيما يتعلق بتلك التدابير والهموم الدولية المتعلقة بأمن المنطقة وبالتحديد مستقبل أمن دولة الكيان الصهيوني وتفوقها العسكري في الأراضي المحتلة. لذلك فإن دولا كمصر والأردن وسوريا والعراق والمملكة العربية السعودية بما في ذلك السودان، على سبيل المثال لا الحصر، كدول مواجهة، تمثل مآلاتها السياسية أحد الهموم الأساسية لصناع القرار في واشنطن وفي دول الإتحاد الأوروبي مجتمعة، بحيث تتركز إستخباراتها في المنطقة لتتحسس أي توجهات وتحالفات سياسية أو شعبية من شأنها أن تمثل مستقبلا تحديا يقدح في أهداف التوازن الأمني والعسكري المنشود.
لا مناص في إن تلك الدول الغربية ستُسخُّر كافة إمكانياتها المالية والإستخبارية والتقنية الهائلة، للسعي لضمان أن تظل السلطات التشريعية والتنفيذية في دول المواجهة في أيدٍ آمنة من منظورهم.. ويما أن تجسيد ذلك المسعى على أرض الواقع يستوجب التحايل على الإرادة الشعبية الداعمة للدفع بحكومات مدنية تمثلها وتخضع لإراداتها، كمسعى جماعي مقابل ومناقض للمسعى المتقدم، فإن ذلك التقابل في المساعي لا بد من أن يخلق صداما ما بين شعوب المنطقة ومابين حكوماتها التنفيذية وبرلماناتها الحاكمة، الشئ الذي يتحتم بموجبه لجوء تلك الحكومات للإستعانة بالقوات النظامية القومية من خلال تدجينها والإغداق عليها حدا يغري قادتها وضباط الصف الثاني منها على أقل تقدير، لمساندة تلك الحكومات في معاركها غير المشروعة، في مواجهة كفاح شعوبها وأشواقها، ولو استدعى الأمر الفتك بتلك الشعوب وسفك دمائها.
بل أبعد من ذلك وأدهى، فإن من بين تلك المساعي مايتمثل في دعم جيوش المنطقة وبوليسها، بصورة مباشرة تتخطى حتى حكوماتها الصورية القائمة، بالتسليح الكافي والتدريب على القمع، وتحريضها لبناء منظومات إقتصادية مستقلة تضمن تمويل عملياتها، كما تضمن مصالح مستقلة لأفرادها، كل ذلك بمنأى عن المنظومة المالية والرقابية في بلدانها.. مثالا لذلك ما يحدث مع الجيش الباكستاني، وما حدث في وقت سابق في التعاطي مابين منظمة العون الإنساني والبوليس البرازيلي، مما أدى لاختطاف السفير البرازيلي وممثل المنظمة في كولومبو، ومقتل الأخير هناك-إستيت -أوف سيج.
بالتالي فعلى الرغم من التصريحات التي تصدر من حين لآخر عن سفارات دول كبريطانيا وأمريكا في أنها تدعم الإرادة الحرة للشعب السوداني في تحقيق دولته المدنية، فإن تلك الإشارات لا تخلو من كونها إشارات للتعاطف، قد تتفاوت في مصداقيتها لكنها آخر الأمر لا تعبر عن أي إرادة حقيقية لدى آلية صنع القرار بتلك الدول، للدرجة التي تستدعي التضحية بالمرامي الواردة فيما تقدم من سرد. لا يغير من الأمر شئ كون أن تلك الإرادة الشعبية تطابق في مسعاها المبادئ التي تؤمن بها تلك الدول، فيما يتعلق بالإرادة الحرة للشعوب في تحقيق مصيرها وفي حقها في حكم نفسها بنفسها لتحقيق مصالح شعوبها في الحق في الحياة والعيش الكريم، كأولوية مشروعة يكفلها القانون الدولي والعهد الدولي لحقوق الإنسان.
إن ما تقدم من سرد لا يهدف لتثبيط الكفاح الذي يقوده الشعب السوداني لتحقيق إرادته والحفاظ على مصالحه، إنما يهدف لمحاولة زيادة الوعي بمقدار التحديات التي يواجهها ذلك الكفاح وتقدير المواقف لتحقيق ما نرجوه من أهداف كريمة بأقل الخسائر الممكنة..
إنتهى

nagibabiker@hotmail.com

 

آراء