الدين والسياسة في السودان: حين يصبح المقدّس أداة للسلطة

في السودان، لا يبدو الفصل بين الدين والسياسة مهمة سهلة. العلاقة بينهما لم تنشأ عابرة، بل ترسّخت عبر تاريخ طويل، حتى أصبحت جزءًا من تكوين المجال العام. وما كشفت عنه التجربة ، خصوصًا خلال العقود الثلاثة الماضية، أن هذا التداخل، حين تحول إلى مشروع حكم، لم يقد إلى مجتمع أكثر تدينًا، بقدر ما أفضى إلى دولة أقل تماسكًا.

منذ الاستقلال، ظل الدين حاضرًا في الحياة العامة، أولًا عبر الطرق الصوفية، ثم عبر الأحزاب ذات المرجعيات الدينية. كان تأثيره واضحًا، لكنه ظل، في معظمه، مؤثرًا ضمن المجتمع، لا ساعيًا للسيطرة على الدولة. غير أن هذا التوازن لم يدم طويلًا. مع صعود تيارات الإسلام السياسي، تغيّر موقع الدين في المعادلة: لم يعد مجرد مصدر إلهام أخلاقي، بل تحوّل إلى مشروع يسعى للسيطرة على مفاصل السلطة.

هنا يظهر التناقض بوضوح.

فالدولة الحديثة تقوم على الحياد: قانون يُطبَّق على الجميع، ومؤسسات لا تميّز بين المواطنين، ومجال عام يتسع لاختلافاتهم. هي دولة مواطنة، لا يُقاس فيها الناس بمدى قربهم من تفسير ديني بعينه.

في المقابل، سعى مشروع الإسلام السياسي، في صيغته السودانية، إلى تعريف الدولة انطلاقًا من هوية دينية محددة، وجعل هذه الهوية معيارًا للانتماء والولاء.

لم يكن هذا التوتر نظريًا. لقد عاشه السودانيون في تفاصيل حياتهم اليومية طوال ثلاثة عقود من الحكم الذي بدأ في 1989. خلال تلك السنوات، لم تتعزز دولة القانون كما كان يُعلن، بل تراجعت مؤسساتها تدريجيًا. اختلطت الوظيفة العامة بالانتماء، وتقدّم الولاء على الكفاءة، وأُعيد تشكيل أجهزة الدولة بما يخدم بقاء السلطة أكثر مما يخدم المجتمع.

في هذا السياق، لم يعد القانون مرجعًا محايدًا للعدالة، بل تحوّل، في أحيان كثيرة، إلى أداة للقهر والسيطرة. كما أُحيطت القرارات السياسية بخطاب ديني يمنحها حصانة أخلاقية، ويجعل الاعتراض عليها أقرب إلى الشبهة منه إلى الحق.

لكن الحصيلة لم تكن كما وُعد الناس.

لم يتقدّم العدل، ولم تستقر البلاد. على العكس، تراكمت الأزمات: حروب في الأطراف، أزمات اقتصادية متلاحقة، عزلة عن العالم، وانقسامات اجتماعية عميقة. والأثقل من ذلك، أن الدين نفسه، وقد أُقحم في تفاصيل السلطة، فقد شيئًا من مكانته بوصفه ملاذًا جامعًا. صار جزءًا من الجدل اليومي، وأحيانًا من الصراع، بعد أن كان فوقه.

دفع السودانيون كلفة هذا التداخل المعقّد. أجيال نشأت على خطاب واحد، فرص ضاعت، ومؤسسات كان يمكن أن تشكّل أساسًا للاستقرار، فإذا بها تُستنزف في معارك السلطة.

بعد 2019، لم يعد النقاش يدور حول جدوى الفصل بين الدين والسياسة بقدر ما صار يدور حول كيفية الخروج من آثار هذا التداخل. كيف يمكن استعادة دولة تتسع للجميع، بعد أن ضاقت بتفسيرات محددة؟

الإجابة لا تكمن في إقصاء الدين، فذلك لا ينسجم مع طبيعة المجتمع ولا مع تاريخه. لكنها تكمن في إعادة الأمور إلى نصابها: دولة تُدار بالقانون، لا بالتأويل؛ مؤسسات تقوم على الكفاءة، لا على الانتماء؛ ومواطنة لا يُسأل فيها الفرد عن دينه أو عرقه أو موقفه السياسي ليُمنح حقه.

دولة مدنية، لا تعادي الدين، لكنها لا تتكئ عليه لتبرير قراراتها.

دولة يكون فيها الانتماء الأول للوطن، ويُترك للناس أن يختاروا علاقتهم بالإيمان دون وصاية.

لقد أظهرت التجربة أن الجمع القسري بين الدين والسلطة لا يحفظ أيًّا منهما. فالسلطة، حين تستدعي المقدّس، تُثقله بما ليس فيه، والدين، حين يُزجّ به في صراع المصالح، يفقد قدرته على أن يكون مرجعية أخلاقية للجميع.

ربما كان الدرس الأوضح: أن الدولة العادلة لا تُبنى بالشعارات، بل بالمؤسسات، وأن الإيمان، حين يُترك للناس، يكون أصدق… وأبقى.

د. محمد عبدالله

muhammedbabiker@aol.co.uk

عن دكتور محمد عبدالله

دكتور محمد عبدالله

شاهد أيضاً

الدولة التي تآكلت: من “لبننة العالم” إلى واقع السودان

د. محمد عبدالله في مطلع التسعينيات، وسط غبار انهيار جدار برلين وبداية تشكّل عالم جديد …