الذكاء الاصطناعي والتنمية المستدامة
كيف تستطيع دول العالم الثالث تحويله إلى فرصة اقتصادية بدلاً من أن تصبح مجرد مستهلك له؟
منبر نور البحثي
مقالات من بطون كتب ونبض الواقع
مقدمه
“الثورات الصناعية لا ترحم المتأخرين
، لكنها تكافئ من يحسن الاستعداد لها.”
كلما ظهرت ثورة تكنولوجية كبرى،
انقسم العالم إلى فريقين:
فريق يصنع التكنولوجيا ويوجه مسارها،
وفريق يستهلكها ويدفع ثمنها.
وقد حدث ذلك مع الثورة البخارية،
ثم مع الكهرباء،
ثم مع الحاسوب والإنترنت،
ويتكرر اليوم مع الذكاء الاصطناعي.
ولعل السؤال الأكثر إلحاحاً ليس:
هل سيغير الذكاء الاصطناعي العالم؟ فهذا أمر يكاد يكون محسوماً.
وإنما السؤال الحقيقي هو:
هل ستكون دول العالم الثالث شريكاً في صناعة هذا التحول
، أم ستظل سوقاً لاستهلاك ما ينتجه الآخرون؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تحدد مستقبل قطاع تقني واحد،
بل تحدد مستقبل التنمية الاقتصادية والاجتماعية لعقود قادمة.
من بطون الكتب… ما الذي تعلمناه؟
تجمع الأدبيات الاقتصادية الحديثة على أن التكنولوجيا وحدها لا تصنع التنمية،
وإنما تصنعها عندما تقترن بمؤسسات قوية، وتعليم جيد، وسياسات عامة رشيدة.
يشير دارون أسيموغلو وسيمون جونسون في كتاب Power and Progress إلى أن المجتمعات لا تستفيد تلقائياً من الابتكار،
بل عندما توزع ثماره على نطاق واسع، ويصبح الإنسان محور التنمية لا ضحيتها.
ويبين مصطفى سليمان في The Coming Wave أن الذكاء الاصطناعي سيكون تقنية عامة،
تدخل في الطب والزراعة والصناعة والتعليم والإدارة،
ولذلك فإن أثره لن يقتصر على قطاع بعينه.
أما تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي فتؤكد أن التحول الرقمي لم يعد خياراً، بل أصبح أحد شروط رفع الإنتاجية وتحسين الخدمات العامة وتعزيز القدرة التنافسية للدول.
ومن هنا فإن القضية ليست اقتناء برامج ذكية
، وإنما بناء اقتصاد قادر على إنتاج القيمة من هذه البرامج.
لماذا تتأخر دول العالم الثالث؟
رغم ما تمتلكه كثير من الدول النامية من موارد طبيعية وبشرية، فإنها ما تزال تعاني فجوة رقمية واسعة،
تعود إلى أسباب متداخلة، من أهمها:
ضعف جودة التعليم، ولا سيما في العلوم والهندسة والرياضيات.
محدودية الإنفاق على البحث العلمي والابتكار.
قصور البنية التحتية للكهرباء والاتصالات.
الاعتماد على استيراد التكنولوجيا بدلاً من تطويرها محلياً.
ضعف البيئة التشريعية التي تشجع الاستثمار وريادة الأعمال.
وهذه العوامل تجعل كثيراً من الدول مستهلكة للتقنيات الحديثة دون أن تضيف إليها قيمة اقتصادية محلية.
الذكاء الاصطناعي والتنمية المستدامة
لقد حددت الأمم المتحدة سبعة عشر هدفاً للتنمية المستدامة، ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم بصورة مباشرة في تحقيق كثير منها إذا أُحسن توظيفه.
في الزراعة، يساعد في تحليل التربة، وترشيد استخدام المياه، والتنبؤ بالآفات، وتحسين الإنتاجية.
وفي الصحة، يسرع تشخيص الأمراض، ويدعم الطب عن بُعد، ويحسن إدارة المستشفيات.
وفي التعليم، يتيح تعليماً شخصياً يراعي الفروق الفردية، ويمنح الطلاب في المناطق النائية فرصاً كانت حكراً على المدن الكبرى.
وفي الصناعة، يسهم في رفع الجودة، وخفض الفاقد، وتحسين كفاءة خطوط الإنتاج.
أما في الإدارة الحكومية، فيمكن أن يحسن التخطيط، ويرفع كفاءة الخدمات العامة،
ويزيد من الشفافية في إدارة الموارد.
وهكذا يصبح الذكاء الاصطناعي وسيلة لتحقيق التنمية المستدامة، لا غاية في ذاته.
من الاستهلاك إلى الإنتاج
إن أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه الدول النامية هو أن تنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه برنامجاً يُشترى،
بينما تنظر إليه الدول المتقدمة بوصفه صناعة تُبنى.
فالفرق بين الطرفين يشبه الفرق بين من يستورد الغذاء،
ومن يمتلك الأرض والمياه والبذور والخبرة الزراعية.
والانتقال من الاستهلاك إلى الإنتاج يبدأ بخطوات متدرجة، منها:
بناء رأس مال بشري مؤهل.
تشجيع البحث العلمي التطبيقي.
إنشاء حاضنات ومسرعات أعمال للشركات التقنية.
ربط الجامعات بالقطاع الصناعي والزراعي.
تشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي في الاقتصاد الرقمي.
تطوير تشريعات تحمي البيانات والخصوصية وتشجع الابتكار.
السودان… فرصة لا ينبغي أن تضيع
إذا نظرنا إلى السودان من منظور استراتيجي، نجد أن إمكاناته لا تقتصر على الزراعة والثروات المعدنية، بل تشمل فرصة لبناء اقتصاد معرفي يخدم المنطقة.
فالبلاد تمتلك قاعدة شبابية واسعة، واحتياجات كبيرة في الزراعة والصحة والتعليم والخدمات الحكومية،
وهي مجالات يمكن أن تستفيد مباشرة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
لكن ذلك يتطلب رؤية وطنية
تبدأ بإصلاح التعليم، وتطوير البنية الرقمية، ودعم الجامعات، وتشجيع الشركات الناشئة، وربط التكنولوجيا بحاجات المجتمع الحقيقية.
الرأي الاستشاري
اعتماد استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي مرتبطة بخطط التنمية المستدامة.
رفع الإنفاق على التعليم التقني والبحث العلمي باعتباره استثماراً طويل الأجل.
إنشاء مراكز وطنية للبيانات والحوسبة لخدمة الجامعات والقطاعين العام والخاص.
توجيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى القطاعات ذات الأولوية مثل الزراعة والصحة والتعليم وإدارة الموارد المائية.
تشجيع الشراكات بين الجامعات، والقطاع الخاص، والمؤسسات الحكومية.
سن تشريعات توازن بين حماية المجتمع وتشجيع الابتكار.
قياس نجاح التحول الرقمي بأثره على الإنتاجية وفرص العمل وجودة الحياة، لا بعدد التطبيقات المستخدمة.
إن التنمية المستدامة في عصر الذكاء الاصطناعي لن تتحقق باستيراد أحدث البرامج، وإنما ببناء منظومة وطنية تجعل المعرفة مورداً اقتصادياً متجدداً.
خاتمة
لقد أثبت التاريخ أن الأمم لا تتقدم لأنها تمتلك التكنولوجيا فحسب،
وإنما لأنها تعرف كيف تحولها إلى إنتاج، وإلى تعليم أفضل، وصحة أفضل، وزراعة أكثر كفاءة، وصناعة أكثر تنافسية.
واليوم تقف دول العالم الثالث أمام مفترق طرق. فإما أن تكتفي بدور المستهلك الذي ينتظر ما تنتجه المختبرات العالمية،
وإما أن تبدأ من الآن في بناء اقتصاد المعرفة، مستثمرةً في الإنسان قبل الآلة، وفي التعليم قبل التطبيق، وفي المؤسسات قبل الأدوات.
إن الذكاء الاصطناعي ليس قدراً يفرض نفسه على الدول، بل فرصة تاريخية قد تفتح باباً جديداً للتنمية المستدامة
إذا امتلكت الحكومات رؤية بعيدة المدى، واستثمرت في رأس المال البشري، وربطت التقنية بحاجات المجتمع.
وحينها فقط يمكن أن تتحول هذه الثورة من تحدٍّ يفرضه الآخرون إلى مشروع نهضوي تصنعه الإرادة الوطنية.
المراجع
Daron Acemoglu & Simon Johnson, Power and Progress: Our Thousand-Year Struggle Over Technology and Prosperity. PublicAffairs, 2023.
Mustafa Suleyman with Michael Bhaskar, The Coming Wave: Technology, Power, and the Twenty-first Century. Crown Currency, 2023.
Henry Kissinger, Eric Schmidt & Daniel Huttenlocher, The Age of AI: And Our Human Future. Little, Brown and Company, 2021.
Erik Brynjolfsson & Andrew McAfee, The Second Machine Age. W. W. Norton & Company, 2014.
Carl Benedikt Frey, The Technology Trap. Princeton University Press, 2019.
عبد العظيم الريح مدثر
متقاعد من
المصرف العربي للتنميه الاقتصاديه في افريقيا
مؤسس منبر نور البحثي
sanhooryazeem@hotmail.com
