مضى عام على رحيله
في السادس والعشرين من مارس، اكتملت دورةٌ أخرى من شيء لا يشيخ، منذ أن آثر الصوت أن يترجّل عن مسارحه، ولكنه آثر أن يعتصم بالقلوب اعتصام الخلود.
عامٌ انفرط من سِلك الدهر، وما تزال نبرات صوتك معلّقةً وستظل معلقةً في الذاكرة، لا كأصداءٍ تمضي، بل كجذورٍ تضرب في تربة الروح، فتنبت وجداناً آخراً، وتورق فينا حياةً ثانية. كأن صوتك لم يُخلق ليُسمَع، بل ليُسكن؛ لا ليعبر الآذان، بل ليؤسّس في الصدر وطناً لا تُحدّه الجهات.
“أُحِبُّكِ لا تفسيرَ عندي لصبوتي… أأشرحُ ما لا يُشرَحُ؟”
لقد كان صوتك هو التفسير الوحيد لما استعصى على القول.
كان صوتك كنيلٍ في ذروة هدوئه: ظاهرُه سكينة، وباطنُه لججٌ من الأسرار، يسوق في مجراه حكايات البسطاء، وأنين القلوب الشفيفة، وأفراحاً خجلى لا تراها إلا بصائرُ مُصطفاة ، كأنه يُعيد إلينا صدى الحكمة القديمة:
“وما الماءُ إلا حيثُ يَسري صفاؤُهُ… كذلكَ صوتُ الصدقِ حيثُ يكونُ”
ما كنت طيفاً عابراً في زمنٍ عابر، بل كنت معيار الفن إذا اضطرب، وميزان الإحساس إذا اختلّ. لقد كانت أغنياتك ، ولازالت ، نوافذَ لا تُطلّ على العالم فحسب، بل تُعيد ترتيبه على هيئة قلبٍ نابض؛ فنٌ يتنزّه عن التكلّف، ويجيء طليقاً كالحقيقة حين تنجو من أقنعتها.
وكأن في فنّك صدىً من قول محمود درويش:
“على هذه الأرض ما يستحق الحياة”
فكنتَ أنت أحد تلك الأسباب الخفيّة التي تجعل الحياة أكثر جمالاً، وأكثر صفاءً.
لقد رحل الجسد، نعم رحل الجسد ، غير أنّ الصوت تمرّد على الغياب، واصبح أثراً سرمدياً، كعهدٍ لا يُخطّ بالحبر، بل يُتلى في حنايا الأرواح، ويُغنّى على امتداد الأزمنة. وبقي صوتك في ضجيج المدن والقرى كنبضٍ لا يُرى، وفي صمتها كدعاءٍ مؤجّل، في الطرقات (يدلِّك في الدرب يساسق يومي ابداً مابيغب).
وكأنك تجيب ، في غيابك ، على قول أبو الطيب المتنبي:
“وما الموتُ إلا سارقٌ دقّ شخصُهُ… يصولُ بلا كفٍّ ويسعى بلا رجلِ”
لكنّه لم يستطع أن يسرق صوتك، ولا أن يطفئ حضورك.
يا صديق أحمد،
ما كنت صوتاً يُطرِب فحسب، بل كنت “شيئاً” حلواً (يُتَمَطق)، وحنيناً يُقيم ولا يرتحل، ولحناً يمشي بين الناس في إلفة وصدق.
كنت كما قال نزار قباني:
“الكلماتُ حين تموتُ… تصبحُ أغانٍ”
فكيف إذا كانت الأغنيةُ نفسها لا تموت؟
ففي ذكراك الأولى، لا نُشيّع غيابك، بل نُعلي من حضورك، لا نبكيك بوصف الفقد، بل نراك بوصف الامتداد؛ فأنت لم تغب أبداً ، بل تجذرت فينا ولم يضق أبداً ما رحُب، وصرتَ فينا زمناً يُقيم، ولا ينقضي، وأثراً يُضي كلّما حاول النسيان أن يُطفئه.
رحمك الله رحمة واسعة وجعل عالي الجنان مستقرك
يس محمد يس
الأراك / مقيم بكاليفورنيا
٢٧ مارس ٢٠٢٦
Sent from my iPhone
makook2002@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم