الذكرى الـ 60 لدعوة الأستاذ محمود محمد طه لانسحاب السودان من جامعة الدول العربية .. بقلم: دكتور عبدالله الفكي البشير
مدخل
“نحن سودانيون، والتفكير في أننا سودانيون يجب أن يسبق أي شيء آخر”.
“[نسعى إلى] العناية بالوحدة القومية، ونرمي بذلك إلى خلق سودان يؤمن بذاتية متميزة ومصير واحد”.
“نحن نريد الوحدة الداخلية، قبل أن نعمد إلى اللجوء إلى معاونة من الخارج قد تؤثر في انسجام هذه الوحدة”.
لم يكن موقف الحزب الجمهوري من عضوية السودان في جامعة الدول العربية موقفاً طارئاً أو لحظياً، وإنما كان رأياً مؤسساً ينطلق من رؤية ثاقبة، كانت مستصحبة لمكونات السودان وتاريخه، وهي تخاطب مستقبله. فقد ظل موقف الحزب الجمهوري برئاسة محمود محمد طه، منذ أربعينات القرن الماضي، رافضاً لعضوية السودان في جامعة الدول العربية. ففي الوقت الذي كانت فيه الأحزاب السودانية تنادي بضرورة الانتماء لجامعة الدول العربية، بل بعضها يرى بأن تمثيل السودان في الجامعة العربية يعني اعترافاً ضمنياً باستقلاله، أصدر الحزب الجمهوري في يوم 6 ديسمبر 1946 بياناً، بعنوان: “حزب الأمة والجامعة العربية”، جاء فيه: “ترى بعض الأحزاب والجماعات السودانية، أن من الاعترافات الضمنية بالسودان كدولة هو تمثيله في جامعة الدول العربية”، رفض الحزب الجمهوري هذه الرؤية وأوضح بأنها رؤية تعقد وضع السودان بما ينطوي عليه من تداخل في تركيبته، فأوضح الحزب، قائلاً: “إننا شعب مركب من عنصرين مختلفين، وهما في نفس الوقت متداخلان”. ثم بيَّن البيان بأن انتماء السودان لجامعة الدول العربية يثير في النفوس فكرة الاختلاف، ويعمق التفرقة، كما أن الانتماء للجامعة ليس هو بالوسيلة المثلى لتحقيق الوحدة، وإنما “الوسيلة المثلى لتمكين أواصر وحدة هذين العنصرين، هي أن نبتعد عما من شأنه أن يثير في النفوس فكرة الاختلاف هذه”. ثم بيَّن البيان أن مصلحة السودان الوطنية تقتضي مراعاة مكونات الشعب السوداني، فهو ليس بالشعب العربي، برغم روابطه مع العرب، وإنما هو خليط من عناصر مختلفة، قائلاً: “نعم هناك أواصر تاريخية تربطنا بالعرب، ولكن إذا قارنا بين المصلحة الوطنية التي ربما نجنيها من اتصالنا بالجامعة العربية،… وبين الضرر الذي ربما يحدث لوجدنا كفة الخسارة هي الراجحة”.
إن دعوة الأستاذ محمود لانسحاب السودان من جامعة الدولة العربية، كانت، في تقديري وحسب اطلاعي، هي أول دعوة، تُطلق في السودان. وبرغم أن الدعوة قد أُطلقت عام 1958، وكانت منشورة في الصحف السودانية، إلا أنها كحال الكثير من الأفكار الأصيلة التي طرحها الأستاذ محمود محمد طه، وكانت تصب في تشخيص قضايا السودان، وتخاطب أسباب التهميش فيه، وتدعو لتداركه وتحذر منه، لم يقف عليها الناس في السودان، ولم تجد سوى التجاهل عند الأكاديميا السودانية. ولعل التجاهل والجهل بهذه الدعوة، في تقديري، يعود إلى عدة أسباب، منها ضعف انفتاح الدراسات السودانية والباحثين على الإرشيف القومي السوداني. ومما يؤكد أن الدعوة لا يعرفها الأكاديميون السودانيون، أذكر أنني كنت في القاهرة في شهر مايو من العام 2012، فهاتفني الدكتور حيدر إبراهيم علي، ووجه لي الدعوة، مشكوراً، لحضور اجتماع لتدشين الجمعية السودانية لمناهضة العنصرية، وبالفعل حضرت الاجتماع، إلى جانب مجموعة من الأساتيذ والباحثين والشباب، كان من بينهم الأخ جبير بولاد، ودار في الاجتماع حوار ثري وعميق وقُدمت مداخلات قيمة. كان من بين المتداخلين الأستاذ/ الفاضل عباس علي، وقد تحدث في مستهل مداخلته، قائلاً: إنه جاء إلى القاهرة من الإمارات العربية المتحدة، لمتابعة طباعة وصدور كتاب له، وأشار إلى أن كتابه يدعو لخروج السودان من جامعة الدول العربية، وأضاف بأن هذه الدعوة لخروج السودان من الجامعة العربية، هي الأولى من نوعها في السودان، ثم استكمل مداخلته.
يشيع بعض المثقفين السودانيين أن قرار عضوية السودان في جامعة الدول العربية لم يكن باجماع الدول العربية، إذ أن بعض الدول العربية رفضت انضمام السودان للجامعة، ويسمي البعض لبنان باعتبارها الدولة التي احتجت ورفضت عضوية السودان في الجامعة العربية. كان عبدالله علي إبراهيم قد أطلق نداءً في أغسطس 2017، في مقال له تناول فيه قول الذين ذهبوا إلى معارضة لبنان لعضوية السودان في الجامعة العربية عند استقلاله، ودعا عبدالله إلى ضرورة التقصي والتنقيب عن الأمر في إرشيف جامعة الدول العربية، بدلاً عن الحديث غير المؤسس علمياً، وحتى نحسم الجدل أو نقيمه استناداً على الوثيقة واستنطاقها. كتب عبدالله في ندائه، قائلاً: “أرجو لمن له إفادة حول انضمامنا للجامعة العربية أن يدلي بها. ولو تحقق أحدكم بالقاهرة من معارضة لبنان لدخولنا الجامعة العربية على بينة من وثائقها بالمدينة، يؤجر لعدل الرأس”. (عبدالله علي إبراهيم، 12 أغسطس 2017). لقد اتيحت لي فرصة الوقوف على نص قرار مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري بشأن عضوية السودان عام 1956، بعد أن زودني به السفير إبراهيم جعفر السّوْري، المستشار السابق للأمين العام لجامعة الدول العربية، السيد نبيل العربي. لقد عمل السّوْري، وهو من الخبراء السودانيين، في جامعة الدول العربية لمدة ثمانية وثلاثين عاماً، وكان عضواً في لجنة الصياغة لمجلس الجامعة ثم تولى لاحقاً رئاسة اللجنة.
إن هذا المقال وهو يحتفي بدعوة تم إطلاقها قبل ستين عاماً لانسحاب السودان من الجامعة العربية حفاظاً على وحدته وتأكيداً على أفريقيته، مقروءاً براهن السودان ومستقبله، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، حاجتنا الماسة لرؤية الأستاذ محمود محمد طه وأطروحاته. إن الحماسة التي تملكت معظم القادة والسياسيين لعروبة السودان، وسعيهم على التأكيد والتسويق لعروبته، دون اعتبار للمكونات غير العربية، نتج عنها، إلى جانب عوامل أخرى بالطبع، الانحياز للمكون العروبي، سواء في رسم السياسات أو وضع التشريعات، ومن ثم تكييف الرأى العام والمسار السياسي للسودان في الوجهة العروبية، الأمر الذي أدى لتهميش الشعوب والثقافات الأصلية في السودان. تبع ذلك أن ظل السودان يسير في وجهة تناقض إرثه الحضاري، وتصادم آركيوليوجيته الثقافية، وتناطح تركيبة شعوبه الوجدانية. فأفضى ذلك المسار، إلى جانب عوامل أخرى بالطبع، إلى انفصال جنوب السودان عام 2011، وتفجير الانتماءات الإثنية والجهوية، واشتعال الحروب، وتفشي مناخ التشظي في سماء السودان.
أمين محمد صديق، في ذكرى الاستقلال رقم (60): مذكرات سكرتير الحزب الجمهوري الأستاذ أمين محمد صديق، ديسمبر 2015.
لا توجد تعليقات
