محمد صالح عبدالله يس
هو شاعرواديب تعلمنا منه اسرار اللغة العربية وفن التعبير والكتابة تعلمنا علي يدية مباديء البلاغة والكتابة وعرفنا منه أجمل ماقالته العرب من الامثال والحكم والنصوص حتي بعدما استوت عقولنا شببنا علي فنونهم ونثرهم وثقافتهم فتعلقنا بالعربية وفنونها وادابها وعرفنا كيف ننتقي من حدائق ومروج العربية بيانها وفصاحتها ومما اذكره واحفظه تلك الابيات التي قراها لنا وحفظناها في ونحن في ميعة تلك الايام وصباها انما الحيزبون و الدردبيس والطخا و النفاخ و العلطبيس والغطاريس والشقحطب والصقب والحربصيص العيطموس ً و الحراجيج و العفنقس و العفلق و الطرفان و العسطوس لغة تنفر المسامع منها حين تروى و تشمئز النفوس وقبيح أن يسلك النافر الوحشي منها ويترك المأنوس ان خير الالفاظ ما طرب السامع منه وطاب فيه الجليس واتحدي جهابدة اللغوين في هذا العصر من سمع بهذه القصيدة او رددها وقراها علي احد وان علي شئ فانما يدل علي عبقرية الدكتور بدوي ومعرفته بشغف الصغار لمثل هذه الغرائب من خرائد العربية وكنوزها واخري تقول ومدخشر بالقحطلين تخشرمت شرامتاه فخر كالخرنعبل وتفشخط الفشخاط في شخط الخفاء بروكة البعبعبل
الدكتور بدوي أكتب اليوم عنك لا بصفة تلميذ سابق وقد كنت بل بصفة إنسان تشكل بعض وعيه على يديك ما زلت أذكر حضورك الباذخ في داخل الفصل وبدايتك المثيرة للحصة والتي دائما ماتبدأها بنكتة تقرا لنا فيها غرائب ماحفظته دواوين العرب فينفجر الجميع بالضحك من غرائب اشعارهم كنا نراه ممسكا بالطبشورة كقائد أوركسترا يحرك الكلمات فتنتظم ويهندس الجمل فتستقيم ويشرح نائب الفاعل كلوحة فنية والمفعول المطلق كحديقة ازدادت نضارا وجمالا كان فصلنا رغم ازدحامه الا انه كان يعطي كل تلميذ زمنه ونصيبه من الاسئلة والاجوبة ولعمري هي عدالة المعلم الخبير والحصيف فتوزيع الفرص بالعدالة علي التلاميذ هي ركن من اركان العملية التعليمية لا يعلمها كثير من خبراء التربية واساطينها فلقد كان بالفصل نجوم وكباتن في اللغة العربية منهم مصباح نور الدين وبركات مصطفي الكردفاني وعبدالقادر مدني ومحمد حسن الدود والبشري محمد الحسين وحافظ ترجوك وشخصي الضعيف كان يدخل الفصل وفي سيمائه سمت من هيبة المعلمين القدامى علي الرغم من انتمايه لجيل الحداثيين وهناك بعيدا عن ضوضاء التلاميذفي داخل المكتب يبدأ بتحضير الدرس علي سبورة فيقف امامها كفنان أمام لوحته يخط الدرس ببطء وعناية يختار لكل عنوان لونا ولكل فكرة زخرفة من الطباشير الملونه حتى تبدو الكلمات كأنها حديقة صغيرة معلقة على جدار المدرسة وعندما يدخل الفصل وبعد التحية يطلب من اثنين ان يحضرا السبورة وفي الغالب يخرج الاخ ابكر خاطر (باقي نمرنا ) والاخ الكابتن الصافي جمعة لاحضارها لانهم هم الاقرب مقاعدهم علي الباب من الناحية اليمني فيحملانها وحكي لي الاخ ابكر خاطر انهم وفي احدي المرات دخلا المكتب لاحضار السبورة فلم يتورع ابكر وراودته فكرة مجنونة ان يشرب من زير المعلمين المثبت علي احد اركان المكتب والموضوع علي حمالة مصنوعة بقايا حديد البراميل وتحته قطعة خيش سميكة تساعد علي تبريد الماء فقد كان الزر محرما علي التلاميذ الشرب منه ولا يستطيع كاين من كان ان يقترب منه والويل والثبور لمن حدثته نفسه ان يشرب منه فقرر ابكر يشرب منه فالمكتب لم يكن به احد فالمعلمون في الفصول ولا رقيب داخل المكتب الا الله فشرب منه علي عجل والخوف بين جنبيه ثم هم بارجاع الكوز الي مكانه فسقط منه وانحني ليرفعة واتكأ باحدي يديه ليتمكن من رفعة فقد كانت يده الاخري ممسكا بها علي السبورة وقد لامست يده طوبة كانت تسند حمالة الزير فطاح الزير وتهشمت اطيانه وغرق سطح المكتب بالماء فاصابهم الذعر والخوف وتاخرت السبورة فارسل الاستاذ احد التلاميذ ليستعجلهم فذهب وعاد مسرعا وذكر ماراي فعاد الاستاذ مسرعا فوجدهما في حيرة من امرهم فرجع ودعا عددا منا فجمعنا حطام الزير واخرجنا الحمالة وقمنا بمسح وتجفيف المكتب وانتهي زمن الدرس وضرب الجرس وحاصر ابكر الخاطر والصافي بجملة من الاسئلة عما حدث فالصق ابوبكر التهمة بالصافي جمعه ولم يستطيع الصافي ان يدافع عن نفسه وامام الفصل ووبخهم الاستاذ علي الطيش والاهمال ومنذ ذلك اليوم لم يعد ابكر والصافي يذهبان الي احضار السبورة للفصل فكثيرون هم الذين كانوا يمنون انفسهم لاحضارها من المكتب وتحول التكليف الي جلاس الكنبة التي تليهم وكان زعيم الكنبة واميرها عبدالله ( مُك) وضوالبيت عبداللطيف ومحمد جمعة شمين وكلهم ماشاء الله لديهم بسطة في الجسم سيما من جمعة شمين وضوالبيت عبداللطيف والاخير هذا توفي بليبيا وكان طفلا محبوبا يحب النكته والسخيرية واذكر انه في احدي المرات وكانت الحصة تسميع لقصيدة جبران خليل جبران التي مطلعها (داعٍ الي العهد الجديد ) فكنا نسمعها بالترتيب وعندما جاء دور ضوالبيت قراء الشطر الاول من البيت وفشل في اتمام الشطر الثاني فاسعفه الاستاذ بشطر البيت وقال ردد معي الي العهد الجديد دعاك فرددها اكثر من خمسة مرات يدعيك رب العالمين فانفجر الفصل بالضحك فدعاه الاستاذ للمثول امامه ونهره انت تقول دعاك رب العالمين فضحك وضوالبيت وقال له ياستاذ انا قلت لمطران الشاعر يدعيك رب العالمين فانفجر الاستاذ والفصل كله ضاحكا وضوالبيت هو ذكي ولاماح لكنه كان مهملا في دروسه واذكر في مرة في حصة التاريخ وكان يدرسنا الاستاذ عبدالله يعقوب (اطال الله عمره ) مادة التاريخ فطلب ان يذكر سببين لفتح محمد الفاتح للقسطنطينية فوق ضوالبيت حمار الشيخ في العقبة فقال الاستاذ انت ياضوالبيت ماعندك مخ راسك الكبير ده تعمل بيه ايه قال ليهو راسي ده بطوي فيه العمة كان بقيت كبير فضحك الفصل والاستاذ وقاله طيب اترزع الاخ ضوبيت عليه الرحمة توفي ليبيا وهو في ريعان شبابه قبل سنوات منذ تلك الحادثة حادثة الزير ظل ضوالبيت ومحمد جمعة هما اللذان يحملان السبورة الي الفصل عندما يكون هنالك حصة للدكتور بدوي كانو يحملانها باهتمام بالغ كأنما يحملان شيئا ثمينا يمشيان بخطي قصيرة وحذرة يخاف أن تمتد أصبعيهما إلى حرف فتطمسه أو تهتز السبورة فتسقط منها كلمة وتنطمس فهي لم تكن مجرد كتابة بل كانت مهابة العلم في أعيننا وكانت يد بدوي تمنح الحروف روحا وحيوية دافقة فقد كانت الحروف والجمل تكتب باناقة واهتمام تجعلنا ننظر إليها بإعجاب ودهشة قبل أن نقرأها كانت السبورة هي الوسيلة الانجع للتعلم حتي الطبشيرة لها سحرها الخاص من الجمال ربما هي الاخرب تترك بعض دقائق ذراتها في قميص الدكتور او بنطاله لكنها تترك في ذاكرتنا اثرا وسحرا لا يزول ولا يمحوه الزمن واليوم قد سقطت السبورة وفقدت هيبتها حين سلبتها التكنلوجيا قداستها ومكانتها صارت الشاشات الرقمية تبتلع كل شيء وتحول التلميذ الي اله صماء لاتنفعل بما تقرأ اوبما تشاهده وحقا ضاع التلاميذ وطلاب العلم منذ ان تحولت السبورة من خشب الي حيطة ثم الي شاشة كان التعليم رسالة تقوم على الوقار والاحترام، فكانت السبورة رمزًا للمعرفة والمعلم منارة تهدي العقول ثم تحولت الفصول إلى جدران صامتة تخلو من روح التفاعل فتراجع حضور المعلم ونواصل
ms.yaseen5@gmail.com
