«السباق نحو فشودة» لديفيد ليفرن لويس، قراءةٌ سودانية
السودانُ مِضمارًا لا مُتسابِقًا، من الخليفة عبد الله إلى الحكم الثنائي
د. الرشيد خليفة
في العاشر من يوليو 1898، بلغ نفرٌ من الفرنسيين، نحوُ مئةٍ وخمسين رجلًا جُلُّهم من الرماة السنغاليين يقودهم النقيب جان-باتيست مارشان، حصنًا مصريًّا مهجورًا على الضفة الغربية لنهر النيل الأبيض، في بلدة فشودة (كودوك اليوم) [1]. كانوا قد خرجوا من الغابون سنة 1896 يقطعون القارة عرضًا، مشيًا وتجديفًا، ليرفعوا العلم الفرنسي فوق حصنٍ طينيٍّ متداعٍ، ثم جلسوا ينتظرون أن يُتوّجهم التاريخ سادةً لوادي النيل. وفي الثامن عشر من سبتمبر، أقبل اللواء هربرت كتشنر صاعدًا النهر ببواخره المسلّحة، فلم يُطلق أحدٌ رصاصة؛ تبادل الرجلان المجاملات في لياقةٍ عسكريةٍ مؤثّرة، واتّفقا على أن ترفرف فوق الحصن الواحد ثلاثة أعلام، المصريّ، والبريطانيّ، والفرنسيّ، ثم انتظر كلٌّ منهما أوامر عاصمته. وحين جاء الأمر من باريس في الرابع من نوفمبر، كان نصيب مارشان أن يطوي علمه ويرحل [1].
هذه هي «الأزمة» التي اختار المؤرّخ الأمريكي ديفيد ليفرن لويس أن يجعل منها عنوان كتابه ومحوره [2]. والسؤال الذي يلحّ على القارئ السوداني منذ الصفحة الأولى بسيطٌ ومُحرِج: أين كان السودانيون حين كان الأوروبيون يتسابقون على أرضهم؟ ومَن قال إنّ صاحب الأرض طرفٌ في السباق أصلًا؟ وهذه القراءة لا تكتفي بعرض الكتاب ونقده، بل، تأخذ أطروحاته واحدةً واحدة فتُنزلها على تاريخ السودان كما يعرفه أهله، في عهد الخليفة عبد الله التعايشي أولًا، ثم في عهد الحكم الثنائي الذي ورث دولته، لترى أيصمد البناء حين يُختبر بتاريخ أهل الدار، أم تتشقّق جدرانه كما تشقّق حصن فشودة.
الكتابُ ومؤلِّفُه
وُلد ديفيد ليفرن لويس سنة 1936، وكان حين صدر هذا الكتاب أستاذ كرسيّ مارتن لوثر كنغ للتاريخ بجامعة رَتْجرز [3]، ثم اشتهر بسيرته الضخمة للمفكّر الأمريكي و. إ. ب. دو بويس، التي نال عن جزأيها جائزة بوليتزر للسيرة مرتين، سنة 1994 وسنة 2001، وهو اليوم أستاذٌ فخريٌّ للتاريخ بجامعة نيويورك. ولم يكن لويس طارئًا على أفريقيا؛ فالكتاب وُلد مشروعًا بحثيًّا في أثناء زمالته بالمركز الوطني للإنسانيات بين سنتي 1983 و1984، تحت عنوانٍ أوّل هو «السباق نحو فشودة، إثيوبيا، وأفريقيا، وأعالي النيل، 1896–1899» [4]. ولْيلاحظ القارئ السوداني أنّ بلاده، صاحبة فشودة وأرض السباق كلّه، لم تجد لاسمها مكانًا في العنوان الأول ولا في العنوان الأخير.
صدر الكتاب بعنوان «السباق نحو فشودة، الاستعمار الأوروبي والمقاومة الأفريقية في التسابق على أفريقيا» عن دار وايدنفيلد ونيكُلسون بمدينة نيويورك سنة 1987 [2]، في ثلاثمئةٍ وأربع صفحات، تتخلّلها ستّ عشرة صفحةً من الصور والخرائط، وتُختم بقائمةٍ للمصادر والحواشي تمتدّ من الصفحة 239 إلى الصفحة 291 [5]. والقصة في جوهرها مطاردة: حملةٌ فرنسيةٌ صغيرة تقطع القارة عرضًا لتزرع العلم عند فشودة، فتقطع على بريطانيا حلمها في خطٍّ إمبراطوريٍّ متّصل من القاهرة إلى رأس الرجاء الصالح، وجيشٌ أنجلو-مصريٌّ يصعد النيل من الشمال ليسبقها إلى الماء.
خمسُ أطروحاتٍ يكشفها هيكلُ الكتاب
لا يضع لويس أطروحاته في قائمةٍ مرقّمة، لكنّ عناوين فصوله التسعة تنطق بها: «العالمُ المنهوب»، و«الناهبون»، و«بداياتُ المقاومة»، و«جنودٌ ورجالُ دولة»، و«بيادقُ البيادق، إثيوبيا والمهدية»، و«الخليفة، والخديوي، وكتشنر»، و«من الكونغو إلى النيل»، و«السباق نحو فشودة»، و«نهاية السباق» [5]. ومن هذا الهيكل أستخلص خمس أطروحات، هي: أنّ «التسابق على أفريقيا» نهبٌ صريحٌ لعالمٍ قائمٍ بذاته، لا «اكتشافٌ» لأرضٍ فارغة؛ وأنّ الأفارقة قاوموا، وأنّ مقاومتهم كانت فاعلًا في الحساب لا تفصيلًا في الهامش؛ وأنّ الدولتين الأفريقيتين الكبريين في حوض النيل، إثيوبيا والمهدية، كانتا «بيادقَ بيادق» تُحرَّك في لعبة الكبار؛ وأنّ الاستعمار البريطاني في وادي النيل تقدّم في ثالوثٍ يتوسّطه الخديوي، أي متخفّيًا وراء واجهةٍ مصرية؛ وأنّ الجنود في الميدان ورجال الدولة في العواصم تقاسموا الأدوار، فالميدان يسبق والعواصم تقرّر.
وهذه الأطروحات الخمس صيغت لتفسير ثلاث سنوات، من 1896 إلى 1899. أما القراءة السودانية فتسأل سؤالًا آخر: ماذا يبقى منها إذا مددنا الخيط إلى الوراء قليلًا، إلى دولة الخليفة عبد الله التي كانت قائمةً على الأرض حين بدأ السباق، وإلى الأمام كثيرًا، إلى نصف القرن الذي حكمت فيه بريطانيا السودان باسم الحكم الثنائي؟
الأطروحة الأولى، العالمُ المنهوب من أم درمان إلى الجزيرة
يبدأ النهب في السودان من حيث انتهى السباق. فحملة كتشنر بين 1896 و1899 لم تحمل إلى بريطانيا النصر وحده؛ فقد جمع جنودها آلاف القطع، غنائمَ وتذكارات، من الأسلحة، والدروع، والرايات، والمسابح، والمخطوطات، وحتى شظايا من قبّة المهدي، ثم حملوها شمالًا إلى مصر فإلى بريطانيا [6]. أما القبّة نفسها، وهي أجمل بناءٍ في مدينة أم درمان يومئذ، فقد هُدمت بأمر كتشنر، فكتب الضابط الشابّ ونستون تشرشل، وهو من جنود الحملة ومراسليها، أنّ ذلك «عملٌ من أعمال التخريب والحماقة»، وأنّ تدنيس ما هو مقدّسٌ عند الناس «عملٌ آثم» [7].
وأين انتهت تلك الحجارة؟ لم يدخل معظمها متحفًا عامًّا ساعة وصوله، لأنها لم تُجمع جمعًا رسميًّا باسم الدولة؛ فقد أخذها الجنود والضباط أفرادًا، كلٌّ لنفسه، غنيمةً شخصية يحملها إلى بيته [6]. ومن أوضح ما ظهر منها لاحقًا في متحفٍ عامّ لوحٌ من الخشب والمعدن الملوّنين، طوله نحو خمسين سنتيمترًا، انتزعه جنديٌّ من فوج «الكاميرون هايلاندرز» الملكي، وهو الفوج التاسع والسبعون، من قبر المهدي في أعقاب معركة كرري سنة 1898. ويُعرض هذا اللوح اليوم في متحف الهايلاندرز، داخل قلعة فورت جورج قرب بلدة نيرن في المرتفعات الاسكتلندية، ويقدّمه المتحف نفسه شاهدًا على سلطة الاستعمار وعلى استخفاف البريطانيين بالثقافة السودانية [8]. وقد صار تتبّع هذه الشظايا المتفرّقة حقلًا بحثيًّا قائمًا بذاته، حتى خصّصت له مجلة «ثيرد تكست» المحكّمة، المعنيّة بالفنون والثقافة البصرية في سياقها الاستعماري وما بعده، دراسةً كاملة سنة 2025 عنوانها «قبر المهدي السوداني، التدنيس، والتشتيت، وإعادة الاكتشاف» [9]. فقطعةٌ من قبّة المهدي لا تقيم اليوم في بيتٍ ريفيٍّ إنجليزي، بل، في قلعةٍ اسكتلندية بُنيت في القرن الثامن عشر لإحكام قبضة لندن على المرتفعات الاسكتلندية بعد ثورة اليعاقبة؛ أي إنّ غنيمة إمبراطوريةٍ انتهت في حصنٍ بُني لإخضاع أهلٍ آخرين لتلك الإمبراطورية نفسها.
وأما رفات المهدي فكان مصيره أفدح. ففي الخامس من يونيو 1899 قرأ النائب جون مورلي في مجلس العموم البريطاني نصّ تقرير كتشنر نفسه: «أمرتُ بهدم القبر، ونُفّذ ذلك في غيابي، وأُلقيت عظام المهدي في النيل»، وأنّ «الجمجمة وحدها حُفظت» وسُلّمت إلى كتشنر «للتصرّف فيها»، ثم نقل عن اللورد كرومر، المعتمد البريطاني في مصر، أنّ الجمجمة «مدفونةٌ الآن في وادي حلفا»، وسأل ساخطًا: «متى؟» [10]. ووصف هنري كامبل-بانرمان، زعيم الأحرار المعارضين، ما جرى بأنه «اعتداءٌ قاسٍ» فيه «شيءٌ من روح الانتقام» [10].
ولماذا لم تنتهِ الجمجمة في متحف؟ لأنّ الملكة نفسها أبت ذلك. فقد كتب الناقد البريطاني غابرييل بيرسون في مجلة «نيو لفت ريفيو» سنة 1961، في مراجعته لسيرة كتشنر التي كتبها المؤرّخ فيليب ماغنوس بعنوان «كتشنر، صورةُ إمبرياليّ»، أنّ كتشنر فكّر في أن يتّخذ من جمجمة المهدي كأسًا للشراب، ثم اقترح إرسالها إلى الكلية الملكية للجرّاحين في لندن، فوصفت الملكة فيكتوريا هذا الاقتراح بأنه «يفوح برائحة القرون الوسطى» [11] [12]. فلم تجد الجمجمة طريقها إلى الكلية ولا إلى متحف، بل، دُفنت في مدينة وادي حلفا على الحدود المصرية، بحسب ما أعلنه اللورد كرومر، المعتمد البريطاني في مصر، ونقله النائب جون مورلي إلى مجلس العموم [10]. وحين وقف آرثر بلفور (Arthur James Balfour)، زعيم الحكومة في مجلس العموم، يدافع عن الحكومة البريطانية في تلك الجلسة، لم يُنكر هدم القبر، بل، برّره بأنّ الجنود السودانيين استُخدموا فيه عمدًا لينقلوا إلى أنحاء السودان كلّها أنّ المهدي «لم يكن نبيًّا مرسلًا من السماء»، وزعم أنّ ما نُبش لم يكن سوى «كومةٍ من العظام» تفتّتت بفعل الزمن [10]. ومن مفارقات التاريخ أنّ الرجل نفسه، بعد ثمانية عشر عامًا، وقد صار وزيرًا لخارجية بريطانيا، سيُصدر في الثاني من نوفمبر 1917 الوعد الذي يحمل اسمه، «وعد بلفور»، فيتصرّف بأرض فلسطين وهو جالسٌ في لندن، كما برّر من قبلُ هدم قبرٍ في أم درمان وهو واقفٌ في مجلس العموم. وهكذا صار قبر الرجل الذي هزم غردون غنيمة حربٍ بالمعنى الحرفي للكلمة: حجارته موزّعةٌ بين بيوت الجنود وقلاع أفواجهم، وعظامه في النيل، ورأسه مدفونٌ في وادي حلفا، بعيدًا عن المدينة التي بناها أتباعه حول قبره.
غير أنّ القراءة السودانية الأمينة لا تستطيع أن تقف عند هذا الحدّ. فالعالم الذي نهبه كتشنر كان قد أُنهك قبل وصوله؛ إذ تقرّر دائرة المعارف البريطانية أنّ الدولة المهدية بدّدت مواردها على الجهاد في الجهات الأربع، ثم أعقبت ذلك فترة انكماشٍ فرضتها سلسلةٌ من المواسم الرديئة جرّت المجاعة، والوباء، والموت [13]. والسودانيّ الذي يتذكّر «سنة ستة» لا يحتاج إلى من يذكّره بأنّ الجوع سبق المكسيم إلى البيوت. فأطروحة «العالم المنهوب» تصدق على السودان، لكنّها تحتاج إلى تصحيحٍ سودانيٍّ صغير: لقد كان العالم المنهوب منهَكًا من الداخل قبل أن يُنهب من الخارج.
ثم انتقل النهب، بعد أن هدأ غبار كرري، من الغنيمة إلى النظام. ففي سنة 1906 افتُتح ميناء بورتسودان على البحر الأحمر ليحلّ محلّ ميناء سواكن منفذًا رئيسيًّا للبلاد، وفي سنة 1911 أطلقت الحكومة مع شركة السودان الزراعية مشروع الجزيرة، بنصّ الغاية المعلنة: أن يكون مصدرًا للقطن الرفيع لصناعة النسيج البريطانية [14]. واكتمل خزّان سنّار على النيل الأزرق سنة 1925 فاتّسعت الزراعة في سهل الجزيرة [14]، وتعدّ دائرة المعارف البريطانية سنة 1925 تاريخ قيام المشروع الذي تُروى حقوله أساسًا لزراعة القطن [15]. ولا يزال القطن، بعبارة المصدر نفسه، عمود الاقتصاد السوداني [16]. أي إنّ الأرض التي تسابق عليها الأوروبيون من أجل الماء صارت تُزرع لتكسو الإنجليز، ويُصدَّر محصولها من ميناءٍ بُني لتصديره.
وأما الماء، وهو الجائزة الحقيقية للسباق، فقد ظلّ يجري شمالًا. فخزّان جبل الأولياء على النيل الأبيض، الذي اكتمل سنة 1937، بُني لزيادة الماء المتاح لمصر في موسم التحاريق، أي موسم انحسار النيل وشحّ مائه بين يناير ويونيو تقريبًا، و«لم يكن مقصودًا به» أن يمدّ السودان بماء الريّ [17]. ثم جاءت اتفاقية 1959، بعد الاستقلال، فقسمت الحصّة بين البلدين بنسبة ثلاثةٍ إلى واحد لصالح مصر [17]. هنا تبلغ أطروحة المؤلف لويس الأولى مداها السوداني الكامل: لم يكن السودان في حساب الإمبراطورية بلدًا يُحكم لذاته، بل، مجرًى مائيًّا يُحرس لغيره، وحقل قطنٍ يُستثمر لمصانع مقاطعة لانكشاير الإنجليزية.
الأطروحة الثانية، المقاومة من كرري إلى اللواء الأبيض
يحتفي لويس بالمقاومة الأفريقية، لكنّ سباقه ينتهي عند خطّ النهاية سنة 1899، فتنتهي المقاومة معه. أما في السودان فقد بدأت المقاومة قبل السباق واستمرّت بعده. ففي سهل كرري، في الثاني من سبتمبر 1898، واجه جيش الخليفة، وقد قُدّر بنحو ستين ألف مقاتل، جيشًا أنجلو-مصريًّا من نحو خمسةٍ وعشرين ألفًا [18]، فسقط من السودانيين أحد عشر ألف قتيلٍ على الأقل، وستة آلاف جريح، وخمسة آلاف أسير، مقابل خسائر لم تتجاوز مئتين وواحدٍ وتسعين بين قتيلٍ وجريح في الجيش الغازي [19]. ولم يستسلم الخليفة؛ فقد انسحب إلى إقليم كردفان وظلّ يقاتل حتى قُتل في معركة أم دبيكرات في الرابع والعشرين من نوفمبر 1899 [20]، وتروي الذاكرة السودانية أنه استقبل الموت جالسًا على فروته بين أمرائه، فكان آخر مشهدٍ في دولته مشهدَ ثباتٍ لا مشهد فرار.
ثم لم تمت المقاومة بموت الخليفة. ففي سنة 1908 ثار عبد القادر ود حبوبه في سهل الجزيرة، وانتهت ثورته بإعدامه شنقًا. وفي إقليم دارفور، أعاد السلطان علي دينار بناء سلطنة الفور، فاعترفت به حكومة السودان سلطانًا سنة 1899، ثم ثار سنة 1915، فأرسل البريطانيون حملةً تأديبية قُتل فيها في نوفمبر 1916 [21]، وضُمّت دارفور إلى السودان وانتهت سلطنة الفور [14].
وفي جنوب دارفور خرج عبد الله السحيني يدّعي أنه «النبي عيسى»، فأعلن جهادًا لم يُكتب له النجاح [14]. والنبي عيسى هنا هو المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، الذي تقول أحاديث آخر الزمان في التراث الإسلامي إنه ينزل إلى الأرض فيقتل المسيح الدجّال ويناصر المهدي. وقد بنى أتباع المهدية على هذه العقيدة توقّعًا خاصًّا بهم: فالمهدي جاء ومات سنة 1885، فلا بدّ أن يظهر بعده النبي عيسى ليؤذن بنهاية الزمان، ولذلك ظلّت الدولة الاستعمارية الجديدة، حتى أواخر العشرينيات، تواجه انتفاضاتٍ مهديةً صغيرة يقودها فقهاء محلّيون، يُعرف الواحد منهم في السودان بالفكي، وكثيرٌ منها رُفع باسم النبي عيسى [22]. فكان السحيني واحدًا من «عيسى» كثيرين، لكنه أخطرهم أثرًا: فقد قاد سنة 1921 انتفاضةً كبرى هاجمت بلدة نيالا في جنوب دارفور، درسها المؤرّخ البريطاني كريس فون في مقالةٍ عنوانها، وهو عنوانٌ يغني عن كلّ تعليق، «استعراضُ المدافع الرشّاشة» [23].
ويخلص فون إلى أنّ انتفاضة نيالا استمدّت وقودها من الإيمان المهدي بالخلاص في آخر الزمان، لكنّ أدوار القبائل والجماعات المحلية، في إشعالها وفي قمعها معًا، جرت على خطوط منافساتٍ محليةٍ قديمة، دخلتها الدولة الاستعمارية بوصفها لاعبًا إضافيًّا لا أكثر [23]. أي إنّ بعض أهل دارفور حملوا السلاح مع «عيسى»، وبعضهم حمله مع الإنجليز، وكلٌّ منهم كان يصفّي حسابًا قديمًا مع جاره. ويخلص فون أيضًا إلى أنّ العنف الاستعراضي، أي «استعراض» الرشّاشات على الناس، والتسويات المحلية مع الزعماء لم يكونا أسلوبين متقابلين في الحكم، بل، وجهين متلازمين لبناء الدولة الاستعمارية نفسها [23].
وأوسع من تتبّع هذه الظاهرة في غرب السودان الباحثة ليدفين كابتينز، التي أفردت كتابًا لتاريخ سلطنة المساليت بين 1870 و1930، بعنوان «الإيمان المهدي والتقليد السوداني» [24]، ثم صاغت خلاصته النظرية في مقالةٍ محكّمة سنة 1985 عنوانها «الإيمان المهدي وإضفاء الشرعية على الثورة الشعبية في غرب السودان» [25]. ومسرح دراستها الحزام الحدودي بين سلطنتَي دارفور ووداي، على تخوم تشاد اليوم، ومداها الزمني نحو نصف قرن، من نهوض المهدية سنة 1882 إلى رسوخ الحكم البريطاني نحو 1930، ومادّتها ثلاثة أنواع من المصادر يندر أن تجتمع: الرسائل العربية في أرشيف المهدية، والشهادات الشفهية من أهل المنطقة، والسجلّات الاستعمارية [25].
وتنطلق كابتينز من نقدٍ للباحثين الذين تشغلهم اللغة الإسلامية التي صيغت بها هذه الثورات، فيغفلون عن الفروق السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية الحقيقية بينها [25]. ثم تعرض حالاتٍ قصيرة لثوراتٍ استُعمل فيها الخطاب المهدي لإضفاء الشرعية على قادةٍ جدد؛ فالزعيم الطامح الذي لا يرث عرشًا ولا مشيخة يستعير شرعيته من السماء، فيقدّم نفسه وارثًا للمهدي أو مبشّرًا بنهاية الزمان. لكنّ كلّ ثورةٍ منها، كما تبيّن كابتينز، نبتت في ظروفٍ مختلفة، واحتجّت على مظالم اقتصاديةٍ واجتماعيةٍ مختلفة، فما يجمعها هو اللغة لا الأسباب [25]. ولذلك تحذّر من التعميمات الأيديولوجية السهلة التي تحجب هذه الأسباب: فمن يقرأ الشعار وحده لا يرى إلا «تعصّبًا دينيًّا» واحدًا يتكرّر، كما كان يراه الضبّاط البريطانيون في تقاريرهم، ومن يقرأ ما تحت الشعار قد يرى ضريبةً أثقلت كاهل الناس، أو مرعًى ضاع، أو زعيمًا جديدًا يزاحم قديمًا على السلطة. وهذا تحذيرٌ ينفع قارئ المؤلف لويس أيضًا: فالمقاومة الأفريقية ليست كتلةً واحدة تتحرّك بشعارٍ واحد، والشعار المهدي في نيالا سنة 1921 لم يكن هو نفسه الشعار المهدي في أم درمان سنة 1885.
وكانت المقاومة أطول عمرًا في الجنوب، أي في المديريات الجنوبية التي صارت اليوم جمهورية جنوب السودان، حتى صار جلّ همّ الإدارة البريطانية هناك حفظ الأمن لا أكثر [16]. ومن أبرز أمثلتها مقاومة النوير، الذين يسكنون سهول أعالي النيل. فقد كان نبيّهم نغونديغ بونغ، الذي عاش بين نحو 1830 و1906، أشهر أنبياء النوير، يدعو إلى السلام وينهى عن الثأر بين بطونهم وعن الإغارة على جيرانهم، فلما مات حمل ابنه قويك نغونديغ رموز أبيه، ومنها «الدانغ» (dang)، وهو عصا الطقوس المقدّسة عند أنبياء النوير، وأعلن أنّ الروح «دينق» تسكنه، فاصطدم بالحكومة، وقُتل في معركةٍ مع قوة دفاع السودان في الثامن من فبراير 1929، وعُرض جثمانه علنًا، وأخذ الضبّاط البريطانيون رموز أبيه غنائم [26].
وهنا تلتقي الأطروحتان الأولى والثانية، أطروحة النهب وأطروحة المقاومة، في شيءٍ واحد هو عصا الدانغ: فهي رمز نبيٍّ قاوم أهلُه الحكم البريطاني، وقد انتهت غنيمةً في يد أحد حكّامه. فقد أخذها بيرسي كوريات (Percy Coriat)، مفتّش المركز البريطاني بين اللو نوير، وهم فرعٌ كبير من شعب النوير يسكن سهول أعالي النيل، فيما يُعرف اليوم بولاية جونقلي في جنوب السودان، وكان كوريات هذا أول مفتّشٍ بريطاني تعلّم لغة النوير [26]. ولمّا مات كوريات ورثت أرملتُه الدانغ، ثم ورثته ابنةُ الأرملة، فعرضته الابنة للبيع في مزادٍ سنة 1999، فاشتراه المؤرّخ دوغلاس جونسون، وظلّت العصا في أيدٍ خاصة في إنجلترا حتى عادت إلى جنوب السودان سنة 2009 [26]. فما لم يثبت عن حجارة قبّة المهدي ثبت حرفيًّا عن عصا نبيّ النوير: لقد قضت نحو سبعين عامًا في بيتٍ إنجليزي، تتوارثها أسرة مفتّش المركز كما تتوارث الأسر صور الأجداد.
ثم انتقلت المقاومة من الريف إلى المدينة، ومن الرمح إلى المنشور. ففي سنة 1921 أسّس علي عبد اللطيف، الضابط السوداني الذي سيصير رمز الحركة الوطنية الأولى، جمعية القبائل المتحدة، فاعتُقل بتهمة التحريض الوطني [18]. ولا تسمّي المصادر قبائل بعينها اتّحدت تحت هذا الاسم؛ فالاسم في ذاته كان البرنامج: أن تتّحد قبائل السودان المتفرّقة في أمّةٍ واحدة، في بلدٍ كانت القبيلة فيه وحدة الانتماء والحكم معًا. أي إنّ «القبائل المتحدة» لم تكن حلفًا بين قبائل قائمة، بل، دعوةً إلى أمّةٍ لم تقم بعد.
وفي سنة 1924 أسّس علي عبد اللطيف جمعية اللواء الأبيض، وغايتها، بعبارة دائرة المعارف البريطانية، إخراج البريطانيين من السودان [18]، وشعارها وحدة وادي النيل كلّه تحت التاج المصري [27]. وكانت حلفًا بين قوميين سودانيين ومصريين، يضمّ نحو مئةٍ وخمسين عضوًا، جلّهم من صغار الموظفين وصغار الضبّاط في الجيش المصري [27]. وتُبيّن المؤرّخة إيلينا فتساديني، في كتابها «القومية الضائعة»، أنّ الجمعية لم تكن مجرّد جماعةٍ من «الضبّاط السود» كما شاع عنها، فمؤسّسوها الخمسة جاؤوا من أصولٍ شتّى: من جنوب كردفان وجنوب السودان، ومن النوبة في شمال السودان، ومن أصلٍ تركي، ومن مدينة المتمّة، ومن أصلٍ مختلطٍ مصريٍّ سودانيّ [28]. ومن رجالها الأوائل زين العابدين عبد التام، والشاعر حسن شريف الذي خلّد الحركة بقصيدته، وتؤرّخ فتساديني لبداية «ثورة 1924» بالخامس عشر من مايو، يوم أرسلت الجمعية أول برقيّة احتجاج، وتلاحظ أنّ العلم الأبيض الذي سُمّيت به حمل عبارة «إلى الأمام» [28].
واعتُقل علي عبد اللطيف في الرابع من يوليو 1924، فلم يُطفئ اعتقاله الحركة، بل، نشرها [29]. فقد قُمعت مظاهرات الخرطوم في يونيو وأغسطس [18]، وامتدّت المظاهرات إلى مدينتَي بورتسودان وعطبرة، وفي عطبرة، مدينة عمّال السكة الحديد، أُطلق الرصاص فقُتل أربعة محتجّين وجُرح تسعة عشر، ثم خرج طلبة المدرسة الحربية، وعددهم واحدٌ وخمسون طالبًا، في مظاهرةٍ في التاسع من أغسطس [29]. هكذا اجتمع في الحركة الضابط، والموظّف، والعامل، والطالب، والشاعر، ولم يبقَ إلا أن تبلغ الشرارة الثكنات.
ثم جاءت الشرارة من القاهرة. ففي التاسع عشر من نوفمبر 1924 اغتيل في القاهرة السير لي ستاك، الحاكم العام للسودان وسردار الجيش المصري [18] [30]، فرصدت حكومة سعد زغلول عشرة آلاف جنيه لمن يدلّ على القتلة [30]، ثم قُدّم تسعة متّهمين إلى محكمة الجنايات في مايو 1925، كان منهم المحامي شفيق منصور، عضو حزب الوفد، حزب زغلول نفسه [31]. وكان الاغتيال حلقةً في سلسلةٍ من الاغتيالات التي استهدفت البريطانيين في مصر، في ذروة الصراع بين الحركة الوطنية المصرية وبريطانيا على استقلال مصر وعلى السودان معًا.
وقدّم المندوب السامي البريطاني اللورد أللنبي إلى حكومة زغلول إنذارًا يطالب بالاعتذار، ومعاقبة الجناة، وحظر المظاهرات السياسية، ودفع نصف مليون جنيه مصري، وسحب الجيش المصري من السودان خلال أربعٍ وعشرين ساعة، ورفع القيود عن ريّ مشروع الجزيرة فورًا [30]. ولْيلاحظ القارئ المطلب الأخير: فالماء والقطن، جائزتا الأطروحة الأولى، حضرا حتى في إنذارٍ كُتب على دم حاكمٍ مقتول. ولم يقبل زغلول إلا الاعتذار، ومعاقبة الجناة، ودفع المال، فاستولى أللنبي على جمارك الإسكندرية، فاستقال زغلول في الثالث والعشرين من نوفمبر، وقبلت الحكومة التي خلفته المطالب كلّها [30].
أما لماذا أخرج البريطانيون الجيش المصري من السودان، فلأنّ الاغتيال منحهم الذريعة التي طالما انتظروها. فالوحدات المصرية في السودان كانت الجسر الحيّ بين الحركة الوطنية المصرية وجمعية اللواء الأبيض التي تنادي بوحدة وادي النيل تحت التاج المصري [27]، وكان قطع هذا الجسر يعني أن يبقى السودان لبريطانيا وحدها، وأن يصير «الحكم الثنائي» ثنائيًّا على الورق فقط. ثم أكملت بريطانيا الخطوة سنة 1925 بإنشاء قوة دفاع السودان بضبّاطٍ سودانيين لتحلّ محلّ الوحدات المصرية [14].
ورفض جنود الجمعية، من مصريين وسودانيين، أمر الإخلاء وتمرّدوا في الخرطوم [27]. ففي السابع والعشرين والثامن والعشرين من نوفمبر 1924 خرجت كتيبةٌ سودانية من الجيش المصري، يتقدّمها الضابط عبد الفضيل الماظ ونفرٌ من الضبّاط والجنود السودانيين، تضامنًا مع الوحدات المصرية، فسحقها البريطانيون [18] [29]. وقاتل الماظ حتى قُتل داخل المستشفى العسكري بالخرطوم وهو يواصل إطلاق النار، وأُعدم الضبّاط ثابت عبد الرحيم، وحسن فضل المولى، وسليمان محمد في الخامس من ديسمبر 1924، ونجا علي البنّا من حبل المشنقة في اللحظة الأخيرة [29].
ولماذا تضامنت الكتيبة السودانية مع المصريين؟ لأنّ جنودها كانوا جنودًا في الجيش المصري نفسه، وكان كثيرٌ من صغار ضبّاطه أعضاءً في جمعية اللواء الأبيض [27]، يرون في الشريك المصري الطريق الوحيد المتاح لإخراج البريطانيين؛ فكان أمر الإخلاء عندهم فصلًا لهم عن جيشهم، وإغلاقًا للباب الوحيد المفتوح. والمفارقة المرّة أنّ القاهرة نفسها أمرت وحداتها بالانسحاب فامتثلت، وتُرك السودانيون يواجهون البريطانيين وحدهم [27]. فالبيدق السوداني ضحّى من أجل البيدق المصري، والبيدق المصري انسحب بأمرٍ من القاهرة، وتلك هي «بيادق البيادق» في أنقى صورها.
وأعني بذلك أنّ رقعة الشطرنج في وادي النيل كان لها لاعبٌ واحد حقيقي هو بريطانيا. أما مصر فكانت بيدقًا في يد بريطانيا، فهي شريكةٌ في الحكم الثنائي على الورق، ولا تملك من أمرها في السودان شيئًا، حتى إنّ حكومتها لم تملك أن ترفض إنذار أللنبي. وأما الجنود السودانيون في الجيش المصري فكانوا بيادقَ هذا البيدق: حرّكهم ولاؤهم لمصر فخرجوا يدافعون عن بقائها في السودان، فلمّا أمرت القاهرة وحداتها بالانسحاب، وهي نفسها مُكرهةٌ على الأمر، امتثلت الوحدات المصرية ورحلت، وبقي البيدق السوداني وحده في وسط الرقعة يواجه اللاعب الحقيقي. فالبيدق المصري تحرّك بأمر لندن، والبيدق السوداني تحرّك من أجل البيدق المصري، ودفع الثمن وحده.
وفي هذا المشهد الأخير مفارقةٌ تستحقّ التأمّل. فالجيش الذي هزم الخليفة في كرري ضمّ إلى جانب البريطانيين جنودًا مصريين وسودانيين [19]، أي إنّ السودانيّ قاتل في صفّ الغازي سنة 1898. ثم خرجت من الثكنات نفسها، بعد ستٍّ وعشرين سنة، كتيبةٌ سودانيةٌ ترفع السلاح في وجه الحاكم. فالمقاومة في السودان لم تخرج من صفّ «المهزومين» وحدهم، بل، خرجت أيضًا من صفّ من حاربوا مع المنتصر. وهذه حقيقةٌ لا تتّسع لها ثنائية «المستعمِر والمقاوِم» التي يقوم عليها عنوان لويس الفرعي.
الأطروحة الثالثة، بيادقُ البيادق، الخليفةُ بين منليك والطليان والإنجليز
أشدّ عناوين الكتاب وقعًا على القارئ السوداني عنوان الفصل الخامس: «بيادقُ البيادق، إثيوبيا والمهدية». والسؤال: هل كان الخليفة بيدقًا حقًّا؟ إنّ الصورة الشائعة في المراجع الغربية صورة حاكمٍ يرسل جيوشه في الجهات الأربع بمزيجٍ من الحماسة الدينية، وطلب النصر والسلطان، و«جهلٍ مُريع بالعالم خارج السودان» [13]. لكنّ المؤرّخ البريطاني ج. ن. ساندرسون، وهو من أعمق من درس التنافس الأوروبي على أعالي النيل، يقرّر أنّ إثيوبيا والدولة المهدية كانتا الدولتين الأفريقيتين الأقدر على إدارة الشأن السياسي كتابةً وحفظ سجلّاته حفظًا منتظمًا، وأنّ الأهداف الكونية للدعوة، أي طموحها الأول إلى أن تخضع لها الدنيا كلّها، حتى كانت رسائلها الأولى إلى الحكّام دعواتٍ لهم إلى التسليم للمهدي بوصفهم «أعداء الله»، أُسْقِطَتْ بهدوءٍ في عهد الخليفة، أي إنّ دولة الخليفة نفسها تخلّت عنها دون أن تعلن ذلك، فصارت علاقاته الخارجية أقرب إلى المألوف بين الدول [32]. فالرجل الموصوف بالجهل بالعالم كان يحكم دولةً لها ديوانٌ ومراسلات، ويتعلّم من الوقائع أن يتخلّى عن أحلام الدعوة الأولى لصالح حسابات الدولة.
ومع ذلك فإنّ عنوان لويس يصيب في موضعٍ موجع: العلاقة بين الجارين الأفريقيين. ففي سنة 1887 غزت الجيوش المهدية إثيوبيا ودمّرت عاصمتها القديمة غوندر (Gondar)، فردّ الإمبراطور يوهنس الرابع (Yohannes IV) بغزو السودان، وقُتل في معركة المتمّة الإثيوبية في مارس 1889 [33]. وقد درست الباحثة إيريس سيري-هيرش كيف أضفى إسماعيل بن عبد القادر، مؤرّخ الدولة المهدية، على هذا النصر معنًى إسلاميًّا واسعًا، ونبّهت إلى أنّ عواقب الصراع تجاوزت المحلّي إلى التاريخ الأوسع للإمبريالية الأوروبية في وادي النيل والبحر الأحمر [34]. وبعبارةٍ أقلّ أكاديمية: كان ملكان أفريقيان يُدمي أحدهما الآخر على الحدود، بينما كان الطليان يتربّصون في ميناء مصوّع، والإنجليز في ميناء سواكن، والفرنسيون في ميناء جيبوتي. وفي السنة نفسها هُزم جيش الأمير عبد الرحمن النجومي عند قرية توشكي على حدود مصر، ثم أخذ الطليان مدينة كسلا سنة 1894، فصار الخليفة محاصرًا من الجهات كلّها.
ثم تبدّلت اللعبة. فبين 1895 و1897 تبادل الخليفة الرسائل مع الإمبراطور منليك الثاني، لكنّ ساندرسون يلاحظ أنّ رسالة منليك سنة 1896 حملت تحذيرًا مبطّنًا من نوايا المهدية العدوانية تجاه إثيوبيا، وأنّ تحرّكات المسؤولين الإثيوبيين قرب نهر السوباط سنة 1897 تجعل إخطار منليك للخليفة غامضًا، بل، ربما كان «خدعةً للثقة» [32]. هنا يتحقّق عنوان لويس حرفيًّا: كان منليك نفسه يناور بين الفرنسيين والإنجليز، وكان الخليفة في حساباته قطعةً تُحرَّك. فالبيدق الأفريقي حرّك بيدقًا أفريقيًّا آخر، والكبار يتفرّجون.
وانتقلت المعادلة بعد سقوط الدولة إلى الحكم الثنائي بشكلٍ أوضح. فمصر نفسها كانت بيدقًا في يد بريطانيا، إذ تقرّر دائرة المعارف البريطانية أنه «لم تكن هناك في الحقيقة شراكةٌ متكافئة بين بريطانيا ومصر في السودان» [16]، والسودانيون بيادق هذا البيدق. وتبلغ المهزلة ذروتها سنة 1936، حين تفاوضت بريطانيا ومصر على معاهدةٍ تحدّد مصير السودان دون أن يجلس سودانيٌّ واحد إلى الطاولة، فاستاءت النخبة السودانية من إقصائها [16]. ثم ألغت مصر المعاهدة من طرفٍ واحد في أكتوبر 1951 وأعلنت سيادتها على السودان، قبل أن يتّفق البلدان في الثاني عشر من فبراير 1953 على الحكم الذاتي وتقرير المصير خلال ثلاث سنوات، فأعلن إسماعيل الأزهري استقلال السودان في الأول من يناير 1956 [16].
وفي الشطرنج قاعدةٌ يعرفها كلّ لاعب: البيدق الذي يبلغ الصفّ الأخير من الرقعة يتحوّل إلى وزير. وهذا بالضبط ما لم يتّسع له إطار لويس: أنّ بيادق البيادق في السودان لم تبقَ بيادق إلى الأبد، وأنّ الرقعة التي رسمها الكبار في 1899 بلغها السودانيون من طرفها الآخر في 1956.
الأطروحة الرابعة، الخليفة والخديوي وكتشنر، حين صار الثالوثُ ثنائيًّا
يضع لويس الخليفة والخديوي وكتشنر في عنوانٍ واحد، فيوحي بثالوثٍ متكافئ الأطراف. لكنّ القراءة السودانية ترى فيه شيئًا آخر: الخديوي هنا ليس طرفًا، بل، قناعٌ. ففي فشودة نفسها رُفع العلم المصري إلى جانب البريطاني، لأنّ بريطانيا كانت تطالب بالأرض باسم مصر لا باسمها [1]. ثم جاء الحكم الثنائي سنة 1899 فجعل السيادة مشتركةً بين الخديوي والتاج البريطاني، ورفع العلمين جنبًا إلى جنب، وأوكل الحكم إلى حاكمٍ عامٍّ يعيّنه الخديوي بترشيحٍ من الحكومة البريطانية [16]. وكان أول الحكّام العامّين كتشنر نفسه، ثم خلفه ونجت من 1899 إلى 1916 [16]. هكذا خرج الخليفة من الثالوث قتيلًا، وبقي الخديوي فيه توقيعًا، وصار كتشنر وخلفاؤه هم الثالوث كلّه.
ثم سقط القناع نفسه. فبعد اغتيال ستاك سنة 1924 أُخرج المصريون من السودان، وأنشأت الخرطوم سنة 1925 قوة دفاع السودان بضبّاطٍ سودانيين لتحلّ محلّ الوحدات المصرية [14]. ولم يبقَ في الثالوث إلا بريطانيا وحدها، فاحتاجت إلى طرفٍ ثالثٍ جديد يملأ الفراغ، فوجدته في «الإدارة الأهلية»: الحكم غير المباشر عبر شيوخ القرى والقبائل، الذي ساد في أواخر العشرينيات والثلاثينيات [14].
وهنا المفارقة التي لا تخطر على بال قارئ لويس. فقد عارض الحكم غير المباشر المتعلّمون في الخرطوم والختمية، وأيّده الأنصار، أتباع المهدي، لأنّ كثيرًا منهم كانوا يشغلون مواقع السلطة المحلية [14]. أي إنّ أتباع الدولة التي هدم كتشنر قبّة مؤسّسها صاروا من أعمدة النظام الذي ورث كتشنر. ثم صار الطرفان الطائفيان الكبيران، السيد عبد الرحمن المهدي على رأس الأنصار وحزب الأمة، والسيد علي الميرغني على رأس الختمية ومن ورائه الحزب الوطني الاتحادي، يتحكّمان، بعبارة دائرة المعارف البريطانية، في الأحزاب السياسية السودانية حتى العقد الأخير من القرن العشرين [16]. فالثالوث لم يمت؛ لقد أعاد تشكيل نفسه: سيّدٌ طائفيٌّ في موقع الخليفة، ومطالبةٌ مصريةٌ في موقع الخديوي، وحاكمٌ عامٌّ في موقع كتشنر.
وأعني بذلك أنّ كلّ ركنٍ من أركان ثالوث المؤلف لويس القديم وجد من يشغل مكانه في السودان الاستعماري. فالخليفة كان الزعيم الديني والسياسي المحلّي الذي يطيعه أتباعه، وقد ورث هذا الموقع السيّدان عبد الرحمن المهدي وعلي الميرغني، كلٌّ منهما زعيمٌ دينيٌّ يقود أتباعه، ثم حزبًا سياسيًّا من ورائهم. والخديوي كان صاحب السيادة الاسمية التي يُحكم السودان باسمها ولا يحكمه، وقد ورث هذا الموقع «المطالبة المصرية» بالسودان، التي ظلّت حاضرةً في الخطاب السياسي حتى أعلنت مصر سيادتها عليه من طرفٍ واحد سنة 1951 دون أن تملك من الأمر شيئًا [16]. وكتشنر كان صاحب القوة الفعلية، وقد ورث موقعه الحاكم العامّ البريطاني في الخرطوم، صاحب السلطتين المدنية والعسكرية. فتغيّرت الأسماء، وبقيت المواقع الثلاثة كما رسمها عنوان الفصل: زعامةٌ محلية، وسيادةٌ اسمية، وقوةٌ أجنبية.
الأطروحة الخامسة، جنودٌ ورجالُ دولة، حدودٌ تُرسم خارج الدار
في فشودة وقف الجنديّان وجهًا لوجه، وقرّرت العواصم. وهذا هو المنطق الذي حكم السودان كلّه. فقد انتهت الحكومة البريطانية في خريف 1897 إلى أنّ غزو السودان ضرورةٌ لحماية مياه النيل من الزحف الفرنسي، بعد أن بلغها أنّ الخطة الفرنسية تستهدف فشودة حيث «يمكن أن يُبنى سدٌّ يعرقل جريان مياه النيل» [18]. أي إنّ مصير دولة الخليفة تقرّر في لندن بسبب ما قد تفعله باريس، دون أن يكون للخليفة في الأمر رأيٌ أو ذنب.
ثم رُسمت الحدود بالمنطق نفسه. فقد أجّرت بريطانيا في مايو 1894 للملك ليوبولد الثاني، بصفته صاحب دولة الكونغو الحرّة، رقعةً واسعة غربيّ أعالي النيل تشمل إقليم بحر الغزال وفشودة ذاتها [35]. أي إنّ الحصن الذي تسابق إليه الفرنسيون والبريطانيون كان، على الورق، مؤجَّرًا لملكٍ ثالث لم يحضر السباق. ثم أرغمت فرنسا ليوبولد على أن يكتفي بما يقع شرقيّ خطّ الطول الثلاثين وجنوبيّ خطّ العرض الخامس والدقيقة الثلاثين، فكانت جيبة لادو، التي ضُمّت إلى السودان الأنجلو-مصري سنة 1910 بعد موت ليوبولد [35]، تتويجًا لمعاهدةٍ أنجلو-بلجيكية سنة 1909 رسمت الحدود مع الكونغو البلجيكي [14].
وفي يناير 1899 عرّفت اتفاقية الحكم الثنائي السودان بأنه كلّ الأراضي الواقعة جنوب خطّ العرض الثاني والعشرين [36]، وهو الخطّ الذي ما زال محور النزاع بين السودان ومصر على منطقة حلايب [36]. وفي مارس 1899 اتّفقت بريطانيا وفرنسا على أن يتوقّف التوسّع الفرنسي شرقًا عند خطّ تقسيم المياه بين النيل والكونغو [18]. وفي سنة 1902 رسمت معاهدةٌ مع إثيوبيا الحدود الجنوبية الشرقية، وفي سنة 1916 ضُمّت دارفور [14]. فاكتملت خريطة السودان في سبع عشرة سنة، وكلّ خطٍّ فيها خُطّ في عاصمةٍ أجنبية: لندن، وباريس، والقاهرة، وبروكسل، وأديس أبابا.
وبقي الجنوب. ففي سنة 1922 صدر أول قانونٍ للمناطق المقفولة، شمل معظم الجنوب، عدا مركز الرنك، وأجزاءً من النيل الأزرق، وجبال النوبة، ودارفور، واستُعمل أساسًا في محاربة تجارة الرقيق التي استمرّت حتى العشرينيات، وصار على التجّار، والصيّادين، والسيّاح من خارج هذه المناطق أن يستخرجوا تصاريح لدخولها [37]. ثم أصدر السكرتير الإداري في الخرطوم سنة 1930 مذكّرةً للسياسة الجنوبية تهدف إلى «بناء سلسلةٍ من الوحدات العرقية والقبلية المكتفية بذاتها»، وبقيت هذه السياسة نحو ستّ عشرة سنة حتى تُخلّي عنها سنة 1946 [37].
ويحسن بالقراءة السودانية هنا أن تتجنّب التبسيط، كما يتجنّبه المؤرّخ دوغلاس جونسون، أحد أعرف الباحثين بتاريخ الجنوب. فهو يرى أنّ السياسة الجنوبية لم تفصل الجنوب إداريًّا فصلًا تامًّا، ولم تمنع المسلمين كلّهم من دخوله، وأنها كانت عَرَضًا لإهمال الحكومة الاقتصادي للريف لا سببًا له، وأنها ربما عمّقت الفروق بين الشمال والجنوب لكنها لم تصنعها، ولا يصحّ أن تُحمَّل وحدها وزر الحروب الأهلية بعد الاستقلال [37]. ومع ذلك تبقى الحقيقة الكبرى ماثلة: حين استقلّت جمهورية جنوب السودان في التاسع من يوليو 2011، صار الخطّ الإداري الذي رسمه الحكم الثنائي حدًّا دوليًّا. وأصبحت فشودة نفسها، التي غزت بريطانيا السودان من أجلها، بلدةً في دولةٍ أخرى اسمها جنوب السودان [1].
ما يُحسَبُ للكتاب، وما يَعوزُه سودانيًّا
وليس من العدل أن نُغفل حسنات العمل. فلويس انتزع فشودة من دفتر الحسابات الأنجلو-فرنسي ووضعها في إطارٍ أفريقيٍّ أوسع، وردّ الاعتبار لفكرة أنّ الأفارقة قاوموا، وأنّ مقاومتهم دخلت في حسابات أوروبا. وفصوله الإثيوبية من أمتع ما في الكتاب، ويكفي شاهدًا على مكانة إثيوبيا عنده أنها تصدّرت العنوان الأول لمشروعه [4]. وبحثه غزير، تشهد له قائمةٌ للمصادر والحواشي تشغل ثلاثًا وخمسين صفحة [5]. وأن يُصرّ كتابٌ موجَّهٌ إلى القارئ الغربي العامّ سنة 1987 على أنّ للأفارقة صوتًا ومشروعًا، لم يكن أمرًا هيّنًا في زمنه.
لكنّ القارئ السوداني يخرج من فصول السودان وصوتُ المنتصرين في أذنه أعلى من صوت أهل الدار. وهذا عجيب، لأنّ الصوت السوداني لم يكن مدفونًا يومئذ. فقد بنى بيتر هولت كتابه «الدولة المهدية في السودان» على وثائق المهدية نفسها منذ سنة 1958 [38]، ونبّه ساندرسون سنة 1962 إلى أنّ هولت هو الذي عرّف الباحثين بأرشيف المهدية، وأنّ هذا الأرشيف كفيلٌ بكشف تنظيم الدولة المالي والعسكري بالتفصيل [32]، وأعاد الضابط السوداني عصمت حسن زلفو بناء معركة كرري من الجانب السوداني في كتابه «كرري»، الذي صدرت ترجمته الإنجليزية سنة 1980 [39]، أي قبل كتاب لويس بسبع سنين. ثم جاءت دراساتٌ لاحقة، كدراسة كيم سيرسي عن طقوس السلطة ورموزها عند المهدي وخليفته، لتؤكّد أنّ للمهدية لغتها السياسية الخاصة، التي تُقرأ من داخلها لا من خلف منظار السردار [40].
والنتيجة أنّ الجنديّ السودانيّ الذي سقط على سهل كرري يخرج من «المقاومة الأفريقية» بلا اسمٍ ولا صوت؛ يُحصى في خانة القتلى، لا في خانة الفاعلين. وحين تُروى المجزرة بوصفها مشهد التتويج في مطاردةٍ أوروبية، تتحوّل آلاف الجثث إلى ديكورٍ دراميٍّ يُبرز براعة المنتصر، ويصير السهل الذي سقط فيه أحد عشر ألف رجل مجرّد محطّةٍ على طريق كتشنر إلى فشودة.
خاتمة
إذا وُضعت أطروحات لويس الخمس على محكّ التاريخ السوداني، صمدت ثلاثٌ منها واتّسعت، واحتاجت اثنتان إلى تصحيح. فأطروحة النهب صدقت، واتّسعت من غنائم أم درمان إلى قطن الجزيرة وماء جبل الأولياء؛ وأطروحة المقاومة صدقت، لكنها لم تنتهِ عند خطّ النهاية سنة 1899، بل، امتدّت من ود حبوبه إلى علي دينار إلى اللواء الأبيض؛ وأطروحة الواجهة المصرية صدقت حتى سقط القناع سنة 1924. أما أطروحة «بيادق البيادق» فتحتاج إلى تصحيح، لأنّ دولة الخليفة كانت دولةً كاتبةً حاسبة لا قطعةً صمّاء، ولأنّ البيدق السوداني بلغ آخر الرقعة سنة 1956. وأما أطروحة الجنود ورجال الدولة فتحتاج إلى إضافة، لأنّ المؤلف لويس يتوقّف عند الحدود يوم رُسمت، ولا يتابع ما فعلته بعد ذلك. فرجال الدولة الذين رسموا حدود السودان في لندن وباريس بين 1899 و1916 جمعوا داخل خطٍّ واحد شمالًا وجنوبًا، ثم أخضعت بريطانيا الجنوب لقانون المناطق المقفولة وللسياسة الجنوبية نحو ربع قرن، من 1922 إلى 1946، فعمّقت الفوارق بين الإقليمين، وإن لم تصنعها، كما يرى دوغلاس جونسون. وبعد الاستقلال تحوّل هذا الانقسام إلى حربين أهليتين، ثم إلى استفتاءٍ انتهى بإعلان جمهورية جنوب السودان في مدينة جوبا في التاسع من يوليو 2011، أي بعد نحو قرنٍ من رسم تلك الحدود. فالخطّ الإداري الذي رسمه رجال الدولة بين المديريات صار حدًّا دوليًّا بين دولتين.
يستحقّ «السباق نحو فشودة» أن يُقرأ، لكنْ على القارئ السوداني أن يقرأه بوصفه سِفرًا بديعًا عن الرُّكّاض، لا عن المضمار. وأصدق جملةٍ يمكن أن تُكتب عن ذلك السباق أنّ الرجلين اللذين بلغا خطّ النهاية، مارشان وكتشنر، كانا كلاهما غريبين، وأنّ الأرض التي تسابقا فوقها كان لها اسمٌ، ودولةٌ، وحاكمٌ، وأهلٌ لم يسألهم أحدٌ إن كانوا يرغبون في أن يصيروا بقعةً طينيةً في أطلس غيرهم. ثم ذهب الرُّكّاض جميعًا، وبقي أهل المضمار، يرثون الحدود التي رُسمت لهم، ويحاولون منذ ذلك اليوم أن يجعلوا منها وطنًا.
المراجع
[1] “Fashoda Incident”, Encyclopaedia Britannica, Chicago.
https://www.britannica.com/event/Fashoda-Incident
[2] David Levering Lewis, The Race to Fashoda: European Colonialism and African Resistance in the Scramble for Africa, Weidenfeld & Nicolson, New York, 1987.
[3] National Humanities Center, “The Race to Fashoda: European Colonialism and African Resistance in the Scramble for Africa”, Work of the Fellows: Monographs, Research Triangle Park, NC.
https://nationalhumanitiescenter.org/?p=55761
[4] National Humanities Center, “David Levering Lewis (Trustee; NHC Fellow, 1983–84)”, project: Race to Fashoda: Ethiopia, Africa, and the Upper Nile, 1896–1899.
https://nationalhumanitiescenter.org/?p=26891
[5] Internet Archive, catalogue record of Lewis, The Race to Fashoda (xiii, 304 pp., 16 pp. of plates; bibliography pp. 239–291; table of contents), San Francisco.
https://archive.org/details/racetofashodaeur0000lewi
[6] National Army Museum, “Imperial trophies: Collecting on campaign during the reconquest of the Sudan” (lecture by Nicholas Badcott), London, 2018.
https://nam.ac.uk/whats-on/imperial-trophies-collecting-campaign-during-reconquest-sudan
[7] Winston S. Churchill, The River War: An Historical Account of the Reconquest of the Soudan, Longmans, Green and Co., London, 1899; passages on the Mahdi’s tomb quoted in International Churchill Society, “Winter 1898–99, Age 24”.
https://winstonchurchill.org/the-life-of-churchill/young-soldier/1896-1900/winter-1898-99-age-24/
[8] The Highlanders’ Museum (Queen’s Own Highlanders Collection), “Panel removed from the tomb of the Mahdi by the 79th” (painted wood and metal, 1898), Fort George, Ardersier, Scotland.
https://museumofthehighlands.org/project/panel-removed-from-the-tomb-of-the-mahdi-by-the-79th
[9] “The Tomb of the Sudanese Mahdī: Desecration, Dispersal and Rediscovery”, Third Text, vol. 38, no. 4–5, Routledge (Taylor & Francis), London, 2025, DOI: 10.1080/09528822.2025.2477944.
https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/09528822.2025.2477944
[10] UK Parliament, Hansard, House of Commons, “Supply”, debate of 5 June 1899 (speeches of John Morley, Sir Henry Campbell-Bannerman, A. J. Balfour), London.
https://api.parliament.uk/historic-hansard/commons/1899/jun/05/supply
[11] Gabriel Pearson, “The Mahdi’s Skull”, New Left Review, I/9, London, May–June 1961 (review of Philip Magnus, Kitchener: Portrait of an Imperialist, John Murray, London, 1958).
https://newleftreview.org/issues/i9/articles/gabriel-pearson-the-mahdi-s-skull
[12] Philip Magnus, Kitchener: Portrait of an Imperialist, John Murray, London, 1958.
[13] “al-Mahdiyyah”, Encyclopaedia Britannica, Chicago.
https://www.britannica.com/topic/al-Mahdiyyah
[14] Helen Chapin Metz (ed.), Sudan: A Country Study, Federal Research Division, Library of Congress, Washington, D.C., 1992 (section “The Anglo-Egyptian Condominium, 1899–1955”).
https://countrystudies.us/sudan/15.htm
[15] “Gezira Scheme”, Encyclopaedia Britannica, Chicago.
https://www.britannica.com/topic/Gezira-Scheme
[16] “History of Sudan: The Sudan under the Anglo-Egyptian Condominium”, Encyclopaedia Britannica, Chicago.
https://www.britannica.com/topic/history-of-Sudan/The-Sudan-under-the-Anglo-Egyptian-Condominium
[17] “Nile River: Dams and reservoirs”, Encyclopaedia Britannica, Chicago.
https://www.britannica.com/place/Nile-River/Dams-and-reservoirs
[18] “Sudan: The British conquest”, Encyclopaedia Britannica, Chicago.
https://www.britannica.com/place/Sudan/The-British-conquest
[19] “Battle of Omdurman”, World History Encyclopedia, London.
https://www.worldhistory.org/article/2916/battle-of-omdurman/
[20] “ʿAbd Allāh (Sudanese religious leader)”, Encyclopaedia Britannica, Chicago.
https://www.britannica.com/biography/Abd-Allah-Sudanese-religious-leader
[21] “ʿAli Dīnār”, Encyclopaedia Britannica, Chicago.
https://www.britannica.com/biography/Ali-Dinar
[22] Shamil Jeppie, “Mahdist State, Mahdiyya”, in Richard C. Martin (ed.), Encyclopedia of Islam and the Muslim World, Macmillan Reference USA, New York, 2004; via Encyclopedia.com.
https://www.encyclopedia.com/religion/encyclopedias-almanacs-transcripts-and-maps/mahdist-state-mahdiyya
[23] Chris Vaughan, “‘Demonstrating the Machine Guns’: Rebellion, Violence and State Formation in Early Colonial Darfur”, The Journal of Imperial and Commonwealth History, vol. 42, no. 2, Taylor & Francis, London, 2014, pp. 286–307.
https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/03086534.2014.894706
[24] Lidwien Kapteijns, Mahdist Faith and Sudanic Tradition: The History of the Masalit Sultanate, 1870–1930, KPI, London, 1985 (reissued by Routledge).
https://www.routledge.com/Mahdish-Faith-and-Sudanic-Tradition/Kapteijns/p/book/9781138980167
[25] Lidwien Kapteijns, “Mahdist Faith and the Legitimation of Popular Revolt in Western Sudan”, Africa: Journal of the International African Institute, vol. 55, no. 4, Cambridge University Press, 1985, pp. 390–399.
https://www.cambridge.org/core/journals/africa/article/mahdist-faith-and-the-legitimation-of-popular-revolt-in-western-sudan/8CDB1AA540539FD2319086C0FB6EF9CC
[26] Douglas H. Johnson, “The fate of Ngungdeng’s dang”, Rift Valley Institute, London and Nairobi, 22 June 2018.
https://riftvalley.net/news/sudan-and-south-sudan/fate-ngungdengs-dang/
[27] Kenneth S. Mayers, “White Flag League”, Encyclopedia of the Modern Middle East and North Africa, Macmillan Reference USA, New York, 2004; via Encyclopedia.com.
https://www.encyclopedia.com/humanities/encyclopedias-almanacs-transcripts-and-maps/white-flag-league
[28] Elena Vezzadini, Lost Nationalism: Revolution, Memory and Anti-colonial Resistance in Sudan, James Currey (Boydell & Brewer), Woodbridge, 2015, chapter 3, “The 1924 Revolution”, pp. 67–95.
https://www.cambridge.org/core/books/abs/lost-nationalism/1924-revolution/1F0D8DFC1880D5880B220EFF09DD4157
[29] عبد المنعم مختار، «من عطبرة 1924 إلى القيادة العامة 2019: خريطة شهداء وشهيدات الثورات السودانية الأربع بين الذاكرة الوطنية والتوثيق العلمي»، سودانايل، 6 أكتوبر 2026.
https://sudanile.com/%D9%85%D9%86-%D8%B9%D8%B7%D8%A8%D8%B1%D8%A9-1924-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%8A%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%85%D8%A9-2019-%D8%AE%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A9-%D8%B4%D9%87/
[30] “Saʿd Zaghlūl”, EBSCO Research Starters: History, EBSCO Information Services, Ipswich, MA.
https://www.ebsco.com/research-starters/history/sad-zaghlul/
[31] UK Parliament, Hansard, House of Commons, “Murder of Sir Lee Stack”, written answer by Anthony Eden, 1 April 1936, London.
https://api.parliament.uk/historic-hansard/commons/1936/apr/01/murder-of-sir-lee-stack
[32] G. N. Sanderson, “Contributions from African Sources to the History of European Competition in the Upper Valley of the Nile”, The Journal of African History, vol. 3, no. 1, Cambridge University Press, 1962, pp. 69–90.
https://www.cambridge.org/core/journals/journal-of-african-history/article/abs/contributions-from-african-sources-to-the-history-of-european-competition-in-the-upper-valley-of-the-nile1/292BDAEC8E54FDAB88AA7576AF4F7070
[33] “Yohannes IV”, Encyclopaedia Britannica, Chicago.
https://www.britannica.com/biography/Yohannes-IV
[34] Iris Seri-Hersch, “Confronting a Christian Neighbor: Sudanese Representations of Ethiopia in the Early Mahdist Period, 1885–89”, International Journal of Middle East Studies, vol. 41, no. 2, Cambridge University Press, 2009, pp. 247–267.
https://www.cambridge.org/core/journals/international-journal-of-middle-east-studies/article/abs/confronting-a-christian-neighbor-sudanese-representations-of-ethiopia-in-the-early-mahdist-period-188589/456A9151DB17758F09D49369FC89A201
[35] “Lado Enclave”, Encyclopaedia Britannica, Chicago.
https://www.britannica.com/place/Lado-Enclave
[36] United Nations, Division for Ocean Affairs and the Law of the Sea, Declaration by the Ministry of Foreign Affairs of the Arab Republic of Egypt (on the 1899 Agreement and the 22nd parallel), New York, 2017.
https://static.un.org/Depts/los/LEGISLATIONANDTREATIES/PDFFILES/EGY_SDN_2017_en.pdf
[37] Douglas H. Johnson, essay on the Southern Policy and the Closed Districts, first published in The Pioneer (Juba), 7–13 August 2010; republished on Africa at LSE, London School of Economics, 2012.
https://blogstest.lse.ac.uk/africaatlse/?p=2297
[38] P. M. Holt, The Mahdist State in the Sudan, 1881–1898: A Study of Its Origins, Development and Overthrow, Clarendon Press, Oxford, 1958.
[39] Ismat Hasan Zulfo, Karari: The Sudanese Account of the Battle of Omdurman, trans. Peter Clark, Frederick Warne, London, 1980.
[40] Kim Searcy, The Formation of the Sudanese Mahdist State: Ceremony and Symbols of Authority, 1882–1898, Islam in Africa vol. 11, Brill, Leiden, 2011.
