بقلم: السر جميل
تتجلى أزمة الإنسان المعاصر في ظنه الدائم أن الاستقرار رهين بامتلاك الأشياء، أو انعدام العقبات والمشاكل “الكوماج”، أو جريان المقادير وفق خططه البشرية القاصرة. وما إن يختل مخطط أو تتداعى الأسباب السطحية، حتى يتسلل الهلع إلى روحه وكأنه على شفا هلاك محقق. غير أن الحقيقة الغائبة عن الوعي هي أن المرء، مهما تذرع بأسباب القوة، يظل كائنا هشا يحمل بين أضلاعه قلبا مضطربا، قلب لا تحميه شواهق القلاع من البنيان، ولا تطمئنه جبال الأموال، ما لم يكن متصلا بمصدر الأمان المطلق.
إن العجز البشري ليس داء يبعث على اليأس، بل هو الوعاء الذي يتجلى فيه الفضل الإلهي. يجسد هذا المعنى قول الإمام الجنيد رحمه الله: “لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم والسرور لجلادونا عليه بالسيوف”. لم يكن هذا السرور العارم نابعا من ملك ظاهري أو رفاهية مادية، بل كان ثمرة الامتلاء بالله، والتحرر من عبودية الأسباب الفانية إلى سعة التوكل على الحي الذي لا يموت.
وحين تشتد العواصف وتضطرب النفوس، يأتي التنزيل الحكيم ليرسم حقيقة الطمأنينة في أبهى صورها: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم}.
إن الوقوف عند سر “إنزال السكينة” يكشف جليا أنها ليست مجرد حالة نفسية تكتسب بالرياضة الذاتية، ولا أثرا يتولد تلقائيا من الجهد البشري المحض، بل هي نفحة إلهية وعطية ربانية تتنزل من فوق سبع سموات لتهبط مباشرة على قلب المؤمن. السكينة هي ذلك اللطف الخفي الذي يعيد ترتيب الفوضى الداخلية، ويمسح على روع الفؤاد المرتجف، فيحيل الخوف العارم إلى ثبات راسخ، ويستحيل الاضطراب إلى سلام داخلي عميق لا تهزه المتغيرات.
مكمن الأزمة الحقيقية التي يواجهها المرء لا يكمن في ضخامة الخطب أو شدة المحنة، بل في اهتزاز اليقين وغياب البصيرة. فحين تجد السكينة طريقها إلى القلب، تتغير المعادلة بأكملها، يغدو الحزن الثقيل ظلا خفيفا، وتتحول الضائقة الخانقة إلى مجرد عابرة سبيل في رحلة العمر. إنها حالة استبصار تجعل العبد يدرك يقينا أن رب عظيم الذي أوجد الروح من العدم لن يتركها سدى في منتصف الطريق، ولن يتخلى عنها وسط الزلازل والفتن.
إن السلام الروحي الحقيقي يقتضي أن يلقي المرء عن كاهله أوزار القلق على المستقبل ومخاوف الغد. فالقادر الذي يتنزل بالسكينة على قلوب أوليائه في أعتى لحظات الشدة والخوف، قادر في هذه اللحظة بالذات على أن يغمر فؤادك برضا مطلق، ويملأ روحك بأنس لا ينقطع.
دع عنك اضطراب الفكر وتشتت التدبير، وليجأ قلبك إلى ربه بلسان الحال والمقال، متجردا من حوله وقوته، ومستندا إلى القوة التي لا تقهر، فالبقية الباقية والملاذ الآمن والأبدي.. هي البقياء بالله.
من سلسة مقالات للأسرة
