السفير أحمد يوسف التنى .. بقلم: شوقى محى الدين أبوالريش/الدوحة
إذا دعتك مشاغل الحياة وتأملت في هذه الدنيا قليلا فستجدها أشبه بمسرح كبير به أناس يمثلون وأناس يشاهدون والأكثرية كومبارس أدوارهم ثانوية محدودة، وهناك القلة وهم أبطال المسرحية يؤدون أدوارهم البطولية حتى النهاية فيكون المشاهد مشدوداً حتى نهاية الفصل الأخير من المسرحية، وهناك أبطال يتساقطون، حسب السيناريو، قبل الفصل الأخير فيفقد المشاهد المتعة وينتظر متى تكون نهاية الفصل الأخير .. هكذا هي حال الدنيا أبطال يسقطون في منتصف الطريق ويسدل الستار فيتغير طعم الحياة. كان لقائى الأخير مع سعادة السفير أحمد يوسف التنى في مناسبة سعيدة جمعتنا في منزل الأخ معتصم عبدالغنى في الدوحة قبل أقل من عام، وعندما إنتهت المناسبة بالفصل الأخير إنفض سامر الأصحاب والأحباب وذهب كل واحد منا إلى حاله إلى أن تجمعنا الظروف في مناسبة أخرى لمن يظلوا أبطال.. وهكذا حال الناس في الدوحة كلهم يجتمعون ويتفرقون دائماً في المناسبات وهم أكثر شوقاً وما أكثر المناسبات فرحاً كانت أم كرها..رافقته حتى السيارة وودعته وما كنت أعلم أن ذلك كان هو الوداع الأخير، لكن الآن أشعر أنه كانت هناك ثمة دلالات خفية لم تخطر على بال أي منا….فقد تجاذبنا أطراف حديث ذي شجون لأول مرة منذ أن عرفته في الدوحة وهو من الأوائل الذين عرفتهم وراقوا لي في هذا البلد المضياف..إستغل هدوء المكان، فقد أتينا مبكراً لعلاقة قربى تربطنى وعلاقة قربى تربطة بالمحتفى بهما الذين أصبحا الآن في عش واحد، وجلس بجانبى بل إشتركنا في كنبة وثيرة في صالون الأخ معتصم.. وبهدوئه المعهود بدأ حديثه بأنه قرر العودة إلى الوطن والإستقرار في أرض السودان وعندما لاحظ إمتعاضاً على وجهى إستمر قائلاً أصلاً هي أيام بقيت لنا نقضيها مع الأهل والأصدقاء والأحباب لنعمل معهم لبناء السودان ليعود وطناً للجميع – وصدق القول فقد كانت أيام – وأردف قائلاً لى : ” إننى أواظب على قراءة كل ما تكتب بل كل يوم أترقب صحيفة سودانايل الإلكترونية لعلنى أجد لك مقالاً جديداً” .. إندهشت لما قال الرجل..فأنا غير مواظب على الكتابة ولا أكتب في مواضيع تستحق هكذا مواظبة..فما أكتبه من حين لآخر ما هو إلا مجرد خواطر وذكريات مشتتة أجد متعة لنفسى في أن أضعها على الورق حتى لا تتبخر وقد آن الآوان الذى ننسى فيه أسماء أولادنا – ولا مفر من أن نقتدى بجدى المرحوم خليلون الذى إشترط على أولاده وبناته أنه إذا نادى أي من أسمائهم يلبى نداءه من يسمع أولاً بصرف النظر عن مسماه وقد نفذوا أمره بحذافيره وأراح نفسه من الصياح – زاد من دهشتى عندما عدّد لى عدداً من عناوين مقالاتى التي قرأها في صحيفة سودنايل وعلق لى على بعضها.. قال كلاماً كثيراً أحتفظُ به لنفسى حتى لا يؤخذ مأخذ الدعاية، لكن بإختصار قال أنه يجد متعة في متابعة سردى للأحداث والفكاهة والمعلومات التي يستشفها من وسط السرد عن أحداث وشخصيات المقال..حقاً إنها إستراحة. الشاهد أن الدبلوماسي أحمد التنى كان مطلعاً لكل ما يكتب وقارئاً شغوفاً وذي ثقافة عالية في كل ضروب الأدب والشعر والثقافة والسياسة والدبلوماسية والإقتصاد والفن والرياضة.. كان كتاباً مفتوحاً تنهل منه بل موسوعة متحركة تستفيد منه في أي لحظة معه، يأسرك بِكَمٍّ هائلٍ من المعلومات التي عنده بل برأيه الثاقب ونصحه إذا إحتجت.. كل ذلك بطريقته الهادئة وأسلوبه الجذاب في المحاورة وفى أدبه ودبلوماسيته. كان رجلاً نادر الصفات تحبه من أول لقاء و بلا مقدمات، طوال حياته ظل مهتماً بقضاء حوائج الناس بإبتسامة لا تغيب عن وجهه وصدرلا يضيق..سماحة تعامله وطيب معشره وتواضعه الجم جعله سفيراً لكل السودانيين في الدوحة على مختلف توجهاتهم..كان وجهاً مقبولاً للكل رغم حدة الصراعات التي اختلقها النظام وافتعلها في كل مكان..ومن أصعب الأمور أن تكون سفيراً لنظام دكتاتورى – أي أن تقوم بدور كما يقولون devil’s advocate (محامي الشيطان) – إلا أنه سار بالمهمة قدماً وخلق أوسع العلاقات مع أهل هذا البلد..هذا المجرم الذى أدخل سياسة ما يُسمّى (الإحالة للصالح العام) قد أجرم في حق السودان وفى حق الدبلوماسية السودانية..سياسة ليس فيها بعد نظر بل هي قمة الأنانية وكانت معول هدم للدبلوماسية السودانية وبناء السودان كله.. السفير أحمد التنى كان هو الرجل المناسب بكل ما يملك من مؤهلات علمية وشمائل شخصية وخبرة مهنية واحترافية في العمل الدبلوماسي وعمله بمفهوم الدبلوماسية الشعبية الناجح. لكن هذا الجاهل الذى إخترع الإحالة إلى ما يُزعم بأنه (الصالح العام) لا يدرى شيئاً عن السفير أحمد التنى..لا يدرى أنه تربى في بيت الدبلوماسيه ورضع منها طفلاً، فوالده الدبلوماسي الشاعر الفحل السفير يوسف مصطفى التنى، طيب الله ثراه، من أوائل سفراء السودان في عهد رئيس الوزراء الأسبق محمد أحمد المحجوب، وزوجته من أول إثنتين من النساء السودانيات اللاتى عملن في السلك الدبلوماسى وهى السفيرة المعروفة فاطمة سيد أحمد البيلى التي أحيلت أيضاً معه إلى المعاش.
شوقى محى الدين أبوالريش
لا توجد تعليقات
