نزار عثمان السمندل
السؤال الذي فتحته ديسمبر لم يكن من يحكم السودان فقط، وإنما من يملك حق تحديد شكل الدولة. كيف يمكن لبلد أنهكته الانقلابات أن يصبح دولة يكون فيها الجيش مؤسسة من مؤسساتها، لا أن تكون المؤسسة التي ترسم حدود السياسة وتحدد من يحكمها؟
أُجهض المسار قبل أن يبلغ غايته، وتوالت الانقلابات والتسويات والحرب، حتى وجد السودان نفسه أمام واقع أكثر فتكاً. سلاحان يتنازعان الأرض، ودولة تتآكل، ومواطنون يدفعون ثمن صراع لم يختاروه. وسط هذا الخراب يخرج الفريق ياسر العطا بتصور يتجاوز سؤال الحرب إلى شكل الحكم بعدها.
في حواره مع صحيفة «الشروق» المصرية (14 سبتمبر)، تحدث العطا عن نقاش داخل القيادة العسكرية حول تولي القائد العام رئاسة الدولة في الدورة الأولى، ثم تقاعده وخوض الانتخابات التالية، قبل أن يذهب التصور أبعد.. أن يظل القائد العام، أياً كان اسمه، رئيساً للدولة، بينما تختار الانتخابات البرلمانية الحكومة التنفيذية.
قد يبدو الأمر بحثاً عن صيغة للحكم بعد الحرب، لكنه يفتح السؤال الذي ظل مؤجلاً منذ ديسمبر. من يحكم السودان، وكيف.. حين تتوقف البنادق؟
وفق تصور العطا، يذهب المواطن إلى صندوق الاقتراع، لكنه لا يختار رأس الدولة. يختار البرلمان والحكومة، بينما يبقى رأس السلطة السيادية في يد القائد العام. الجيش يحتفظ بالسلاح، والرئيس يحتفظ بالجيش، والحكومة المنتخبة تدير الدولة تحت سقف سلطة لم يصنعها صندوق الاقتراع. بهذا تصبح الانتخابات جزءاً من المشهد، لا مصدره الأعلى.
الدولة المدنية لا تعني أن يرتدي العسكري ثياباً مدنية ويحتفظ بمفاتيح السلطة نفسها. معناها أن يكون السلاح تابعاً لقرار سياسي يصنعه الدستور والمؤسسات المنتخبة، وأن يكون الجيش مؤسسة وطنية محايدة في صراع السلطة، لا طرفاً يضع القواعد التي تجري داخلها المنافسة.
وتزداد المفارقة مع الحديث عن ضعف الأحزاب. هذه الأحزاب عاشت عقوداً تحت الانقلابات والحكومات العسكرية، وتعرضت الحياة النقابية والمدنية للتفكيك والقمع، ثم يأتي ضعفها ليقال إن المجتمع غير جاهز للديمقراطية، وإن الجيش ينبغي أن يمسك بالدولة حتى تنضج القوى السياسية.
لكن كيف تنضج شجرة في ظل يحجب عنها الشمس؟
لا تصنع الوصاية مجتمعاً سياسياً قوياً. الذي يصنعه التنظيم الحر، والصندوق، والنقابة، والصحافة، والقدرة على الخطأ والتصحيح وتداول السلطة.
حتى حكومة التكنوقراط لن تهرب من السياسة. من يوزع الموارد؟ من يقرر شكل الدولة؟ من يوقع اتفاقات السلام؟ كيف تجري العدالة الانتقالية؟ وما موقع الجيش في الدستور؟
تلك قرارات تحتاج إلى شرعية سياسية، لا إلى خبرة إدارية وحدها.
وتكشف المؤسسة العسكرية نفسها مفارقة أخرى. فقد رأى بعض التفكير الإصلاحي داخل القوات المسلحة أن تركيز سلطات التعيين والترقية والإعفاء والإحالة إلى التقاعد في يد القائد العام أضعف البناء المهني وفتح أبواب الولاء الشخصي والتسييس، حتى غدا الوصول إلى موقع القائد العام طريقاً إلى الإمساك بالجيش والدولة معاً. لذلك ظهرت فكرة نقل القيادة المهنية من مركز فردي شديد التركيز إلى هيئة أركان تتوزع داخلها المسؤوليات، بحيث تصبح المؤسسة أكبر من قائدها.
المفارقة أن الإصلاح الذي تحتاجه المؤسسة العسكرية يسير نحو تفكيك مركزية السلطة داخلها، بينما يذهب التصور السياسي المطروح إلى جمع رئاسة الدولة والقيادة العسكرية في يد واحدة.
ويرتبط ذلك بمآلات الحرب نفسها. فاستعادة المدن وهزيمة الدعم السريع، حتى إذا تحققت، لا تعني تلقائياً نهاية الحرب السياسية. جذورها أعمق من خطوط الجبهات.. علاقة مختلة بين المركز والأقاليم، وصراع طويل على السلطة والثروة، ودولة اعتادت معالجة أزماتها بالسلاح حتى صار السلاح جزءاً من تعريف السياسة.
استعادة الأرض شيء، واستعادة الدولة شيء آخر.
السودان لا يحتاج إلى تحويل الحرب إلى شهادة ملكية سياسية. يحتاج إلى نهاية للحرب، وجيش وطني واحد، وإصلاح أمني يعيد المؤسسة العسكرية إلى مهنيتها وقوميتها، وعدالة انتقالية تواجه ما حدث، ودولة تسمع دارفور والنيل الأزرق والشرق والوسط والشمال من دون أن تضطر أي منطقة إلى حمل السلاح كي يصل صوتها.
الناس الذين خرجوا من بيوتهم لا يعنيهم كثيراً من يحمل اللقب العسكري حين تنتهي الحرب. يعنيهم أن يعود البيت بيتاً، والطريق طريقاً، والمدرسة مدرسة، وأن يجد الطفل الذي نام في العراء سريراً يعود إليه.
الدولة التي يستحقها السوداني لا يصنعها قائد عسكري يجلس على رأسها إلى الأبد. يصنعها مواطن يستطيع أن يختار، وجيش يعود إلى ثكناته، ودستور تنحني له السلطة، وبلد لا يحتاج فيه السوداني إلى بندقية كي يثبت أنه مواطن.
