لا أدري لماذا إصرار بعض المسلمين السودانيين على استمرار الحرب؟، وهم يعلمون أن كلمة “السلام” هي اسم من أسماء الله الحسنى و”السلام” هو أحد أبواب الجنة الثمانية، والأدهى والأمر أن من يقودون حملة (بل بس) وتعني بالدارجة السودانية (الحرب ولا شيء غير الحرب)، كانوا في يوم ما يصيحون عبر مبكرات الصوت بالمساجد وسوح الندوات أن هلموا الى كلمة الله، إنّ كلمة الله يا سادة هي الدعوة الى السلام وحقن دماء الناس، ما لكم كيف تحكمون!!، اليوم وحسب التسريبات من الغرف المهتمة باستقرار هذا البلد الأمين لا حديث يعلو غير حديث السلام، وقد اجتمعت أمم المشرق والمغرب على حتمية إحلال السلام بهذا البلد الافريقي والعربي المسلم، بعد أن أنهكته حرب الأعوام الثلاثة وقذفت بإنسانه الطيب النبيل الى أتون جحيم النزوح واللجوء والتشرد، حتى غدا الأجانب والأصدقاء والجيران أكثر منا حرصاً على أمننا واستقرار بلادنا، فقط الأمر الوحيد الذي احتار فيه القريب والغريب هو أن بعض منا يصرون على استمرار النزف، الذين انطبق عليهم وصف المثل السوداني: أتوا يعينوه على دفن أبيه فأخفى معدات الحفر)،أي طينة خلق من صلصالها هؤلاء القساة؟، هل رأى هؤلاء امرأة أو رجل ثمانيني يكابد شظف العيش بطرقات القاهرة ودبي وأديس أبابا؟ ما ذنب هذا الرجل في أن يقضي خريف عمره غريباً بعيداً عن موطنه محروماً من أنس رفاق العمر.
لقد تفاقم القصور في الجوانب الإنسانية لهذه الحرب وقد أحزنني أيما حزن اجتماع رئيس وزراء حكومة تأسيس بإحدى الشركات المختصة في صناعة الأطراف الصناعية وعلى الطاولة التي أمامه نماذج لأطراف صناعية من أيدي وأرجل بلاستيكية، حدث هذا في نصف الدولة الغربي، الدولة التي تقاسمها المتحاربون، فما بالك بشقها الشرقي كم من شباب فقدوا اطرافهم واصبحوا عالة على المجتمع وخصماً من رصيد الاقتصاد والموارد البشرية، وعبئاً اضافياً للأسرة والمجتمع والدولة، هذه الحرب يجب أن تقف ولا احد غيرنا نحن السودانيين يمكنه فعل ذلك، فلنصطف مع الخط الداعي للسلام ونشد من أزر كل من يعمل على إحلال السلم وأن لا تتاح المنصات للحمقى انصار “بل بس”، ولندعم الحراك المدني الكبير الرافع لشعار ” لا للحرب”، فكل رجل او امرأة لها نفس سويّة لن تصطف مع دعاة الحرب، فالمسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه، إنّ الفطرة السليمة تأبى إراقة الدم بأي مبرر كان، فكل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه، كما اخبرنا رسولنا الكريم، هل يستحق اهل هذه البلاد الطيبة والطيب أهلها هذا النزف المقيم من الدماء ؟، هؤلاء الذين يشهد لهم قرآن الفجر عبر مآذن مساجدها في القرى والحضر، كيف لأرض كانت استراحة ومعبراً لحجيج بيت الله أن تتحول لمستنقع من الدماء، وأي دماء!!، دماء مسلمين طاهرين يؤدون الفرائض صلاة وصياماً وقياماً.
كل من يظن أنه قد انتصر في هذه الحرب اللعينة فهو يخادع نفسه، أي نصر هذا الذي يفقدك ارضك وعرضك؟، تذكرت صديقي السوري تاجر الهواتف المتحركة وملحقاتها بين السودان ودبي، في الأيام الأخيرة لدولة البشير حينما تضخم الاقتصاد وفقدت العملة قيمتها، وأصاب الضجر السودانيين، حينها قال لي : نحن السوريون فقدنا وطناً بسبب الحرب، أسأل الله لكم أيها السودانيون أن لا يبتليكم الله بالحرب وأن تبقى مصيبتكم في عملتكم الوطنية فقط، هذا ليس ندماً على ذهاب البشير ولكن تذكراً لصغر حجم التحدي آنذاك وعظمه اليوم، اذا تحقق السلام يتحسن الاقتصاد وتحدث الطفرة لأن الأرض حبلى، أو كما يقول المثل : (اذا سلم العود اللحم بعود)، وسلامة عود الوطن مقرونة بإيقاف هذه الحرب اللعينة التي اكلت الأخضر واليابس، ولم يصل ياسر العطا لأم دافوق وما وطأت قدما دقلو بورتسودان، فكفى سعياُ وراء تحقيق الأحلام فوق الاشلاء والجماجم، فليقف هذا الماراثون العبثي اليوم قبل الغد وليلتف الناس حول راية السلام البيضاء وليطلقوا حمائم السلام من شاهق المباني التي أحرقها الدخان، فلا شيء يعادل الروح مهما أرغى وأزبد وتوعد الطرفان.
إسماعيل عبدالله
ismeel1@hotmail.com
