رشا عوض
احد ازمات السودان العويصة تلك الكراهية الكامنة في نفوس بعض السودانيين لجزء من ذواتهم !
تحديدا ذلك الجزء المتسبب في طردهم من الصفوف الامامية للنادي العربي!
لما سوداني تكون ملامحه عربية من حيث لون البشرة ونوع الشعر ويسمع تعليقا عابرا من احد مواطني دول الخليج : غريبة انك سوداني! انت لا تشبه السودانيين!
يستقبل السوداني هذا التعليق بفخر وفرح وكأنه حاز على تذكرة لدخول الجنة! كأنه تخلص من عبء ثقيل ويتنفس الصعداء لانه تخفف من حمولة السودان التي تؤخره عن الركب العربي!
هذا الاستلاب العربي لو لم يكن له تأثير مباشر على واقعنا السياسي والعقلية التي ادارت شأننا العام لما توقفنا عنده ابدا !!
ولكن بكل اسف كانت النتيجة المباشرة لذلك الاستلاب هي ان السودان في حد ذاته حسب المخيال السياسي المستلب للنخب السودانية لا يستحق ان يكون محور دوران الفعل السياسي!
فالسودان يجب تسخيره لخدمة مصالح الاخرين!
السودان ناجح بقدر ما يقدم للامة العربية والاسلامية وليس بقدر ما يقدم لشعبه!
اذكر عندما كنت تلميذة في المدرسة في السعودية وكانت الاخبار في التلفزيون تتحدث عن مجاعة في السودان وكانت الزميلات من جنسيات مختلفة يسألننا عن حقيقة ما يجري ، ما اذكره تماما هو ان زميلاتي السودانيات اتفقن على انكار المجاعة بصيغة مضحكة جدا : المجاعة ما في السودان المجاعة في جنوب السودان! وهذا كان في الثمانينات! اي قبل انفصال الجنوب بكثير!
وكان التعاطف منعدما تماما بين زميلاتي السودانيات اللاتي غلب عليهن الخجل والغضب الشديد من الحديث عن مجاعة في السودان وعرض صور تلك الملامح في الشاشات منسوبة للسودان!!
الان يمتعض كثيرون من الحديث عن المجاعة خلال هذه الحرب لان من يكابدون الجوع من اثنيات لا نشعر بأنها جزء من الوطن وتستحق ليس مجرد التعاطف بل المسؤولية المباشرة !
كيف نسهر على تنمية ونهضة وطن دون ان تكون نفوسنا مسكونة بحبه واحترام كل مكوناته!
كيف ننهض بوطن وهناك شيء كامن في اللاوعي الجمعي لنا يحثنا على التهرب من الانتماء لهذا الوطن لان ذلك يحرمنا من الانتماء العربي كامل الدسم الذي نحلم به !
نحن لا نتهرب وننفر من الجنوب وجبال النوبة ودارفور فقط !
نحن ننفر ونتهرب حتى من النهر والبحر والدليل اننا لم ننجح في تنمية وتعمير ولايات شمال ووسط وشرق السودان ونرتقي بها لتصل الى مستوى جوارها العربي والافريقي!
حتى مواطن النهر والبحر عندما يخرج الى العالم العربي يشعر بأنه ليس عربيا كامل الدسم فيتأزم!
كل العوامل السياسية والاقتصادية وطبيعة انظمة الحكم ودورها في التخلف والحروب مفهوم جدا !
ولكن يجب ان لا نغفل العامل السايكولوجي المعقد هذا في افشالنا!
يجب ان نتعلم ونتدرب على حب انفسنا كما هي!
يجب ان نتعلم ونتدرب على حب وطننا كله ولا نكره بعض اجزائه ونتمنى ذهابها !
نجاحنا الباهر والمتفرد في قتل بعضنا البعض ووحشية حروبنا الاهلية وفي نفس الوقت عدم قدرتنا على قول بغم لاي محتل اجنبي دليل على ازمتنا العميقة ! ازمة كراهية الذات واحتقارها !
يجب ان نتطلع الى بلورة فكر سياسي يجعل محور دورانه هو السودان! فكر لا يساوم على مصالح السودان ابدا ! ولكي يفعل ذلك لا بد ان يعالج العقدة الجماعية الخفية ويبث في السودانيين التصالح التام مع اشكالهم والوانهم وملامحهم ويجعل هدفهم المركزي هو سلام وتنمية وحرية وطنهم ، يجب استبدال الشوق الى انتماء عربي مستحيل بشوق الى انتماء ممكن جدا لسودان خالي من الحروب والمجاعات ، سودان ناهض ومتطور .
اقول قولي هذا وانا امرأة مستعربة استعرابا كاملا ، واعتبر العروبة كافق ثقافي احد مدخلات الهوية السودانية ، ولكن يجب على السوداني ان يتعقل خصوصية علاقته بالفضاء العربي ولا يتنكر للمكونات غير العربية الغالبة عليه.
