د. أحمد التيجاني سيد أحمد
قيادي مؤسس في تحالف تاسيس
١٩/٠٨/٢٠٢٦ روما ايطاليا
المعروف أن الكيزان أشعلوا الحرب في محاولة لاستعادة الحكم الذي انتزعه منهم الشعب. ولذلك، فإن اختزال الأزمة السودانية في مجرد دعوة إلى التفاوض لا يكفي لفهم جذور الصراع ولا للوصول إلى سلام مستدام.
فالمشكلة لا تتعلق فقط بوقف القتال بين طرفين، وإنما ببنية سياسية وعسكرية نشأت عبر عقود، وأصبحت تهدد الدولة نفسها. ومن هنا، فإن أي مفاوضات لا تتعامل مع أسباب الحرب، ولا مع القوى التي تعمل على إعادة إنتاج النظام السابق، قد تنتهي إلى هدنة مؤقتة لا إلى سلام حقيقي.
من هذا المنطلق، أرى أن «تأسيس» وحلفاءها يجب أن يجعلوا الأولوية لاستعادة الدولة السودانية وتحرير مؤسساتها من قبضة القوى التي أشعلت الحرب أو تستفيد من استمرارها، مع الحفاظ على وحدة السودان ومنع تفككه.
ولا ينبغي أن يكون الهدف مجرد وقف إطلاق النار، بل وقف تدفق السلاح والمال الذي يطيل أمد الحرب، وتهيئة الظروف لانتقال سياسي حقيقي يستند إلى إرادة الشعب السوداني. فالسلام الذي لا يؤدي إلى إعادة بناء الدولة وإقامة نظام سياسي جديد سيكون معرضًا للانهيار عند أول أزمة.
وهنا يبرز الدور الذي يمكن أن تؤديه الولايات المتحدة. فالمطلوب ليس فقط الضغط من أجل عقد مفاوضات، وإنما تبني رؤية أكثر شمولًا تجمع بين الضغط السياسي والدبلوماسي، وتجفيف مصادر تمويل الحرب، ودعم مسار سياسي قادر على إنهاء أسباب الصراع، ومساندة القوى السودانية التي تعمل من أجل دولة مدنية موحدة.
وقد أظهرت تجارب المنطقة أن التسوية السياسية لا تأتي دائمًا نتيجة التفاوض وحده، بل قد تصبح ممكنة عندما تتغير موازين القوى بصورة تفتح الطريق أمام انتقال سياسي جديد. ومن هذه الزاوية يمكن الاستفادة من التجربة السورية، دون افتراض أن السودان يمكنه أو ينبغي له أن يكررها حرفيًا؛ فلكل بلد تركيبته التاريخية والاجتماعية والجيوسياسية الخاصة.
فالدرس الأهم ليس في استنساخ تجربة بعينها، وإنما في إدراك أن التسوية المستدامة لا يمكن أن تقوم على إعادة إنتاج النظام الذي كان أحد أسباب انهيار الدولة واندلاع الحرب.
وعليه، فإن المطلوب من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي هو الانتقال من سياسة إدارة الحرب إلى سياسة إنهائها، ومن التركيز على وقف إطلاق النار وحده إلى معالجة جذور الأزمة وبناء الدولة السودانية من جديد.
أما «تأسيس» وحلفاؤها، فإن مسؤوليتهم الأساسية هي تقديم مشروع وطني واضح للسودانيين: مشروع يحافظ على وحدة البلاد، ويعيد بناء مؤسسات الدولة، ويؤسس لحكم مدني ديمقراطي، ويضع حدًا نهائيًا لدورة الحروب والانقلابات التي عطلت السودان لعقود.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري أيضًا إعادة تعريف مفهوم «الشرعية» في السودان، بحيث لا تُختزل في السيطرة العسكرية أو في الأمر الواقع، بل تُستمد من الإرادة الشعبية ومن قدرة أي سلطة على حماية المدنيين وضمان الخدمات الأساسية وفتح الطريق أمام انتقال ديمقراطي حقيقي. فغياب هذا التعريف الواضح هو ما سمح بتكرار الانقلابات وإعادة إنتاج الأزمات.
كما أن إعادة بناء الدولة لا يمكن أن تتم دون معالجة جذرية لمسألة تفكيك الميليشيات وإعادة دمج القوات المسلحة ضمن مؤسسة وطنية واحدة خاضعة للرقابة المدنية. فازدواجية السلاح كانت دائمًا أحد أهم أسباب انهيار الدولة السودانية، وأي تسوية لا تعالج هذه النقطة ستظل ناقصة وقابلة للانفجار مجددًا.
وفي المقابل، فإن القوى المدنية مطالبة اليوم بتجاوز حالة التشتت والاصطفاف الضيق، والعمل على بلورة جبهة واسعة قادرة على قيادة مرحلة الانتقال، وتقديم بديل واقعي يحظى بثقة الشارع السوداني، بدل الاكتفاء بردود الفعل أو انتظار الحلول الخارجية.
إن السودان يقف اليوم أمام لحظة مفصلية، إما أن تُستثمر لإعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة، أو تُهدر ليجد نفسه في دوامة أطول من الفوضى والانقسام. ولذلك فإن مسؤولية الداخل والخارج معًا هي منع انزلاق البلاد نحو سيناريوهات التفكك، والعمل على بناء مسار سياسي يعيد للسودان مكانته كدولة موحدة وفاعلة في محيطها الإقليمي.
فالسودان لا يحتاج إلى هدنة أخرى فحسب؛ بل يحتاج إلى نهاية حقيقية للحرب وبداية جديدة للدولة
ahmedsidahmed.contacts@gmail.com
