كيف صار شعب السودان رهينة فى الحرب الدائرة؟

أذكر جيدًا أول يوم لى فى الجامعة عام 1979م، لأنه وبمجرد دخولى الحرم الجامعى، أو ما كان يعرف بـ«النشاط»، تفاجأت بمعارك طاحنة بين الطلاب؛ اشتباكات عنيفة بالأيدى والطوب، فى مشهد كان بعيدًا تمامًا عن توقعاتى بأن الجامعة يجب أن تكون مكانًا للأدب والسلوك المتمدن والحوار الفكرى الراقى.
عرفت لاحقًا أن ذلك كان انعكاسًا للصراع السياسى بين طلاب الاتجاه الإسلامى وبقية الطلاب من الاتجاهات الأخرى. كان المشهد صادمًا بالنسبة لى، لكننى سرعان ما بدأت أستوعب طبيعة التحولات الفكرية التى كانت تحدث داخل المجتمع السودانى، خاصة مع انتشار سردية «العنف المقدس» أو «الجهاد». فقد كان هناك كتاب كامل مقرر علينا بعنوان «الجهاد فى الإسلام»، ما يزال حاضرًا فى الذاكرة حتى اليوم. والمفارقة أن مفهوم «جهاد الطلب» كان يُطرح باعتباره فريضة دينية، بينما كان فى الوقت نفسه ترياقًا مضادًا للتعايش السلمى وحقوق المواطنة، وقادرًا على هزيمة أى تصورات للحياة الجامعية تقوم على الحوار والاحترام المتبادل وحرية الرأى والاعتقاد.
لقد كان نظام التعليم نفسه يعمل ـ وما يزال بدرجات متفاوتة ـ على تهيئة الطلاب نفسيًا وفكريًا لقبول أجندة الإسلاميين، خاصة ما يتعلق بفكرة الجهاد والتعبئة الأيديولوجية، الأمر الذى أتاح لهم التوسع داخل المجتمع وابتزاز القوى المدنية المتسامحة التى بدأت مساحاتها تتقلص تدريجيًا أمام العنف والتهديد. وهكذا ضعفت مناعة مؤسسات المجتمع تجاه قيم التعايش السلمى وحرية الفكر حتى قبل انقلاب الإنقاذ فى عام 1989م.
وفى العام التالى مباشرة شهدت الجامعة واحدة من أكبر موجات العنف الطلابى، حيث تم استخدام السيخ والعنف المفرط عقب فقدان الاتجاه الإسلامى لمقاعد اتحاد الطلاب. وتحولت عضوية الاتجاه الإسلامى تدريجيًا إلى ما يشبه المليشيات التى ترهب الطلاب وتتوعّد خصومها. وقد تصاعد هذا العنف بصورة أكبر بعد ما عرف بالمصالحة الوطنية بين الإسلاميين ونظام جعفر نميرى، إذ صاروا يمارسون دور الحليف الأمنى والسياسى للنظام فى قمع النشاط الطلابى بعد فشل تجربة «الاتحاد الاشتراكى». وهكذا أصبح الطلاب أنفسهم رهائن لعنف الإسلاميين وهيمنتهم المتزايدة على الحياة العامة.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود ونصف من احتكار السلطة والثروة، وتوجيه مقدرات البلاد لخدمة التنظيم بدلاً من خدمة الوطن، وما ارتبط بذلك من فساد واسع وجرائم قتل وتعذيب وسحل يعرفها السودانيون جيدًا، انفجرت الحرب الأهلية التى أتت على الأخضر واليابس، وتحول معها شعب السودان بأكمله إلى رهينة لصراع دمّر الدولة والمجتمع معًا.
فى سبعينيات القرن الماضى حقق فيلم رواجًا كبيرًا فى الولايات المتحدة، حيث لعب الممثل كلنت ايستوود دور الشرطى «هارى» الذى كان يتعامل مع المجرمين بقسوة وحسم، ولذلك عُرف باسم «هارى القذر». وفى مواجهة مجرم مختل قتل عددًا من الأبرياء عن طريق القنص، ثم قام لاحقًا باختطاف حافلة مدرسية مليئة بالأطفال وطلب فدية كبيرة، خضعت سلطات المدينة للابتزاز خوفًا على حياة الأطفال، رغم عدم وجود أى ضمانات حقيقية لسلامتهم.
لكن هارى اختار المواجهة المباشرة، وتمكن فى النهاية من القضاء على المجرم وإنقاذ الأطفال المختطفين. وقد أجمع كثير من المراقبين وقتها على أن تجاوب الجمهور الأمريكى مع الفيلم ارتبط بتصاعد معدلات الجريمة فى المدن الأمريكية، وبشعور قطاعات واسعة من الناس بأن الدولة أصبحت عاجزة عن حماية المجتمع أو فرض القانون. كما ارتبط ذلك أيضًا بأجواء التوتر والعنف السياسى والاغتيالات التى صاحبت تلك المرحلة.
ورغم أن الشرطى هارى بدا فى أحيان كثيرة قاسيًا ومتجاوزًا للإجراءات القانونية التقليدية، إلا أن حسمه وفعاليته جعلاه قريبًا من وجدان قطاعات واسعة من الأمريكيين فى ذلك الوقت، لأن الناس عادة ما تبحث عن الحسم حين تشعر بأن الفوضى تهدد حياتها اليومية.
لابد من مواجهة الاسلاميين اللذين اختطفوا الدولة وإضعافهم بشتى الطرق ،عسكرية كانت ام ديبلوماسية، لارغامهم على التفاوض. غير أن مواجهة المشروع الذى قاد البلاد إلى الحرب والانقسام لا يمكن أن تتحول إلى إعادة إنتاج لدائرة العنف نفسها. فالسودان لا يحتاج فقط إلى حسم يوقف الابتزاز المسلح للدولة والمجتمع، وإنما يحتاج كذلك إلى مشروع وطنى جديد يعيد الاعتبار للمواطنة، والتعليم المدنى، والتعايش السلمى، وحرية الرأى والاعتقاد.
إن أخطر ما خلفته عقود الاستبداد ليس الخراب المادى وحده، بل تآكل فكرة الوطن المشترك نفسها، وتحويل السياسة إلى صراع وجودى بين أعداء لا بين مواطنين مختلفين. ولذلك فإن الخروج من الكارثة الحالية لن يكون ممكنًا إلا ببناء دولة تقوم على القانون والمؤسسات، لا على العنف الأيديولوجى أو احتكار الحقيقة باسم الدين أو القوة.

طلعت محمد الطيب

talaat1706@gmail.com

عن طلعت محمد الطيب

شاهد أيضاً

ترمب.. ومرور مائة يوم على ولايته الثانية (2-2)

من الواضح أن مجيء دونالد ترمب إلى سدة الرئاسة ظاهرة شغلت العديد من الباحثين في …