السودان: بين وعيٍ ينتظر… ووعيٍ يصنع

بقلم د. صلاح أحمد الحبو

ليس السلام منحة تُمنح، ولا لحظة استثنائية تهبط من خارج التاريخ، بل هو ثمرة وعيٍ يتشكل، وإرادةٍ تُمارس، ومجتمعٍ يختار أن يتحمل مسؤولياته كاملةً في صناعة مستقبله. وفي السودان، لا تكمن المعضلة في الحرب وحدها، بل في البنية الذهنية التي تفسرها، وتتكيّف معها، وتعيد إنتاجها، حتى تبدو وكأنها قدرٌ محتوم لا يُرد.

ومن هنا، يصبح السؤال الحقيقي ليس عن الحرب بوصفها حدثًا، بل عن الوعي بوصفه بنية: كيف يفكر المجتمع في أزمته؟ كيف يعيد تعريف إمكاناته؟ وكيف يعيد إنتاج شروط عجزه وهو يظن أنه يفسر واقعه؟ تتضح هنا مفارقة محورية: السودان يقف اليوم بين نمطين من الوعي؛ وعيٍ ينتظر، ووعيٍ يصنع. الأول يعلّق المصير على الخارج، ويؤجل الفعل، ويستبطن العجز في صورة واقعية سياسية، بينما الثاني يعيد تعريف المسؤولية بوصفها فعلًا جماعيًا، ويحوّل الإمكان إلى مشروع، والتاريخ إلى مادة للبناء لا إلى ذريعة للاستسلام.

لقد تراكمت عبر التاريخ – من إرث استعماري أعاد تشكيل الدولة والحدود والمعنى، إلى أنماط حكم استبدادية عطّلت الفعل المدني، إلى صراعات ممتدة أعادت ترتيب الأولويات حول البقاء لا البناء – بنية إدراكية يمكن تسميتها بـ”وعي الانتظار”. هذا الوعي لا يكتفي بتأجيل الحل، بل يعيد تعريفه؛ إذ يجعل السلام وعدًا مؤجلًا بدل أن يكون مشروعًا يُبنى، ويحوّل المسؤولية إلى عبء يُفوض، لا إلى فعل يُمارس. وفي هذا السياق، تكتسب فكرة “الحكيم الغائب” حضورها الرمزي، لا بوصفها مجرد استعارة، بل كآلية ذهنية تُعيد إنتاج العجز في صورة أمل.

غير أن هذا الأمل، حين ينفصل عن الفعل، يتحول إلى شكل من أشكال تعطيل التاريخ. فـ السلام لا يُمنح… بل يُنتزع بالفعل الواعي، وكل تصور ينقل السلام من دائرة الفعل إلى دائرة الانتظار إنما يساهم، بوعي أو بدونه، في إطالة أمد الأزمة. وهنا تتجلى إحدى أخطر نتائج الوعي المؤجل: أن الحرب لا تستمر فقط لأنها ممكنة ماديًا، بل لأنها تجد في الوعي ما يبررها أو يتكيف معها، حتى تصبح جزءًا من النظام لا استثناءً عليه؛ إذ حين يبرر الوعي الحرب… تصبح جزءًا من النظام لا استثناءً عليه.

من زاوية تحليلية، يمكن قراءة هذا النمط من الوعي بوصفه نتاج تفاعل بين شروط موضوعية وبنى ذهنية. فالإرث الاستعماري لم يترك فقط مؤسسات هشة، بل أعاد تشكيل تصور الذات والآخر، وحدود الممكن السياسي. ومع تعاقب الأزمات، تحولت هذه التصورات إلى مسلمات ضمنية، بحيث بدا الصراع وكأنه القاعدة، بينما صار السلام حدثًا استثنائيًا يحتاج إلى تدخل فوقي. غير أن المقاربة العلمية تفرض التمييز بين ما يبدو طبيعيًا وما هو في حقيقته مُنتج تاريخيًا؛ فالعنف ليس جوهرًا ثابتًا، بل نتيجة شروط قابلة للتغيير، لكن استمرار هذه الشروط يرتبط بوجود وعي يتكيف معها، ويعيد إنتاجها عبر التفسير والتبرير. وهنا قاعدة حاكمة: ما لا يُفكَّك في الوعي… يُعاد إنتاجه في الواقع.

الحرب الراهنة في السودان تمثل ذروة هذا التفاعل؛ فهي ليست فقط صراعًا على السلطة، بل تعبير عن خلل في القدرة الجمعية على إدارة التعدد، وبناء معنى مشترك للدولة، وإنتاج أفق يتجاوز لحظة الأزمة. إنها، في أحد أبعادها العميقة، استقالة للوعي من دوره، حين يكتفي بالتأمل أو التبرير، بدل أن يتحول إلى قوة فاعلة في إعادة تشكيل الواقع. ومن هنا، فإن انتظار الحل – بأي صورة كان – لا يمثل حيادًا، بل انخراطًا غير مباشر في إدامة الأزمة؛ لأن انتظار الحكيم الغائب هو الشكل الأهدأ لاستقالة الوعي.

غير أن التجربة الإفريقية تقدم، في مفاصلها الحرجة، ما ينقض هذا المنطق. ففي رواندا، لم يكن الخروج من مأساة الإبادة الجماعية عام 1994 نتيجة تدخل “منقذ” أو تجلٍ لحكمة غائبة، بل حصيلة تحول جذري في بنية الوعي الجمعي. كانت الدولة منهارة، والنسيج الاجتماعي ممزقًا، والذاكرة مثقلة بأحد أعنف تجارب العنف في التاريخ الحديث، ومع ذلك لم يُطرح الانتظار خيارًا، بل اعتُبر استمرارًا للأزمة بوسائل أخرى.

لقد اختارت رواندا، على مستوى الدولة والمجتمع، أن تبدأ من الوعي لا من النتائج. جرى تفكيك السرديات التي غذّت الكراهية، وإعادة بناء الهوية الوطنية على أساس المواطنة الجامعة، لا الانتماء الإثني الضيق. ولم تكن العدالة مجرد إجراء قانوني، بل عملية اجتماعية لإعادة ترميم الثقة، كما تجلت في تجربة “الغاتشاكا” التي ربطت بين الاعتراف والمساءلة والمصالحة، وأعادت المجتمع إلى قلب عملية التعافي بدل أن تجعله متلقيًا لنتائجها.

بالتوازي، تم الاستثمار في التعليم بوصفه أداة لإعادة تشكيل الإدراك، لا مجرد وسيلة للترقي الاجتماعي، بحيث يُعاد إنتاج جيل لا يحمل البنية الذهنية التي قادت إلى الكارثة. كما أُديرت الذاكرة بحذر استراتيجي؛ فلم تُمحَ المأساة، ولم تُترك لتتحول إلى وقود للانتقام، بل أُعيد توظيفها كأداة للوعي والوقاية.

هذه التجربة تكشف فارقًا حاسمًا: بين مجتمع أعاد بناء ذاته عبر الفعل، ومجتمع يظل معلقًا بإمكان لم يتحول بعد إلى مشروع. فحين يُعاد تعريف المسؤولية بوصفها فعلًا جماعيًا، يتحول السلام من نتيجة محتملة إلى مسار مستدام. أما حين تُفوض هذه المسؤولية أو تُؤجل، فإن السلام يظل هشًا، مرتبطًا بظرف أو بفاعل خارجي، لا ببنية قادرة على حمايته.

في هذا الإطار، يصبح السودان أمام مفترق معرفي لا يقل خطورة عن مفترقه السياسي: إما أن يظل أسير وعي ينتظر، يعيد إنتاج أزمته عبر تفسيرها، أو أن ينتقل إلى وعي يصنع، يعيد تعريف ذاته عبر الفعل. وهذا الانتقال لا يتم بقرار فوقي، بل عبر تحول تراكمي في طريقة التفكير، وفي علاقة المجتمع بذاته، وفي فهمه لمعنى المسؤولية.

إن مبادرة “وعي يصنع” تأتي كإطار عملي لتحويل هذا التحول الفكري إلى فعل ملموس؛ فهي تهدف إلى تعزيز الوعي الجمعي القادر على صناعة السلام واستشراف المستقبل عبر ثلاثة محاور متكاملة:

المسار المعرفي: إعادة إدماج التفكير النقدي في التعليم والإعلام لبناء وعي قادر على تفكيك الموروثات الذهنية التي تعيد إنتاج الأزمة.
المسار المجتمعي: خلق منصات حوار محلية عابرة للانقسامات، حيث تُمارس المواطنة يوميًا، ويصبح التعدد والتنوع قاعدة للإبداع والتعاون، لا سببًا للصراع.

المسار الاستشرافي: ربط السلام بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، بحيث يتحول المجتمع من إعادة إنتاج الأزمة إلى بناء المستقبل، ويصبح الاستقرار خيارًا عقلانيًا ومستدامًا.

إن “وعي يصنع” ليست مجرد فكرة، بل ممارسة استراتيجية شاملة، تقاس بقدرتها على تحويل الإنسان من متلقٍ للأزمة إلى فاعل فيها، ومن حامل لذاكرة الألم إلى صانع لأفق جديد، يجعل السلام ليس وعدًا مؤجلًا، بل فعلًا يوميًا ملموسًا… يكتب السودان أخيرًا فصلاً من وعيٍ يصنع

habobsalah@gmail.com

25-03-2026

عن صلاح الحبو

صلاح الحبو

شاهد أيضاً

نقد الوعي اليومي: السودان بين إرث ما قبل الحرب وتحوّلات زمنها

بقلم: د. صلاح أحمد الحبو حين تدخل المجتمعات لحظة الحرب، لا تنكشف فقط هشاشة البنى …