إبراهيم سليمان / كاتب صحفي / لندن
صوت من الهامش
ما هو مثبت عمليا أن الإستقرار السياسي يمثل العتبة الأولى في سلم التنمية الشاملة ، وأن إصلاح نظم الحكم وتطويره مقدم على التخطيط التنموي ، ولا تناطح بين أهل الإختصاص أن هذا الأمر في العالم الثالث لا يتأتى إلا بأمرين إثنين ، أولاهما ترك إدارة شئون البلاد لممثلي الشعب الشرعيين وإمهال تجاربهم لتنضج على نار هادئة ، وثانيهما وضع سياج شائك ومتين حول ثكنات الجيش ، حيث أن إفلات الجيش من مخابئها يتبعها ظهور ثوار من باطن الأرض ليتفرج المدنيين على العروض العسكرية بالذخيرة الحية في الأحراش حينا وبين المنشآت الحيوية أحيانا أخر. أس مشكلتنا في السودان أن المركز يزدري إنسان الهامش ويسفه عقله ، وجنرالات العسكر و دحاقنة السياسية يفعلون نفس الشئ ضد بعضهم البعض (ده ما كلام عساكر ساي ، وده ما كلام ملكية غير منضبط) ، يعني المسألة كلها تهميش في تسفيه ، لو أن المركز وثق في عقل مواطن الجنوب وإحترم إرادته بالإستجابة لمطلبهم قبل الإستقلال والمتمثل في إرساء الحكم الذاتي بالإقليم لما إقتتلنا لمدة ربع قرن من إجمالي سيادة وطنية حوالي نصف قرن حتى تاريخ توقيع أتفاق نيقاشا في 2005 ، تكلفتها إزهاق لأنس عزيزة من أبناء الوطن ، وإهدار لموارده الشحيحة ثم القبول بمبدأ تقرير المصير المفضي للإنفصال لا محالة ، لذلك ضمن أبناء الجنوب الحكم الذاتي أولاً خلال محادثاث نيفاشا ومن ثَم اشترطوا معينات تجعل الوحدة جاذبه وهذه الأخيرة لا تعني فيما تعنى التنمية العمرانية فحسب ، بل جوهر مضمونها تنمية الأنفس وتنقيتها من شوائب الماضي والمتمثل في نبذ التسفيه وإحتقار الجنس والمعتقد والموروث الثقافي وإحترام الخصوصيات بشكل عملي في المناحي كافة ، وهذا ما فشل فيه المركز وأهل الشمال حتى اللحظة ، بل العكس من ذلك التمادي في الغي والضلال بتأجيج ترسبات الماضي بإنتاج مسلسل مثل الزبير باشا والسماح بإنتاج السموم الاستعلائية من مصنع الإنتباهه. ما حدث في الجنوب يتكرر في دارفور وجبال النوبة والشرق والنيل الأزرق ، الجميع طالب بالفدرالية والحكم الذاتي في مراحل مختلفة ومنذ زمن بعيد ، ولم يلتفت إليهم أحد من أهل المركز ، عسكريين إنقلابيين ومدنيين منتخبين ، تتعاقب الأنظمة وتعدد الحكومات العقلية واحدة. إن كان للمركز عقلية تحترم إرادة أهل الهامش لما إحتاج أحد لحمل السلاح ولما طالب أحد بالإنفصال ولما تعطش أحد للإرتواء من معين السلطة بدخول القصر ، يجب أن تكون السلطة متوفرة في كافة أقاليم السودان ، ولا سلطان للمركز إلا بسلطة ممثلي الأقاليم ، الشعب السوداني صبور وقنوع ، ومبعث شعور أهل الهامش بالظلم أو ما يعرف بـ Paranoia مرده غياب مبدأ الشفافية Transparency وإفتقار منهج المحاسبة Accountability لدى المركز ، داخل القصور الرئاسية ومقار الأحزاب الحاكمة والمعارضة ، العمل (الدكاكيني) دائماً مريب ، وبغياب الإستقرار السياسي تضيع المجهود الذهني والموارد المالية والبشرية في مقارعة العواصف الداخلية التي تغري الرياح الدولية بإجتياح أجواء البلاد ، الأزمات السياسية يجب ردها لممثلي الشعب الشرعيين ولا أحد سواهما ولا بأس أن تشاجروا داخل برلماناتهم بالسباب والسهام ، وهم أصدق وأكفأ من يضع معاير التنمية المتوازنة وترتيب أولوياتها. حتى بداية الثمانينيات يعتبر العراق من أفضل الدول الشرق أوسطية من حيث البناء والتعمير إلا أن معايير نظام صدام حسين الشمولي لم يكن متوازناً ، همش كردستان ومهد لإنفصاله ، سخر من الشيعة الذي شنقوه فيما بعد ، ولعل غياب الإرادة الشعبية كانت نتيجتها غياب الإستقرار السياسي في ذاك البلد الغني بموارده الطبيعية والبشرية ، بل إحتكار السلطة ورعونة الحاكمين كلف العراقيين تدمير كافة ما بناه نظام صدام. ما حرضني لكتابة هذا المقال ظنون سمية سيد الكاتبة النابهة بصحيفة السوداني سابقا والمتخصصة في الشئون الإقتصادية ولا أعتقد أن تلك الظنون من المحتمل أن تضعها في طائلة مناصرة الشمولية ، فهى من أشرس مناهضي الفساد المالي وقد مارست سلطتها الرقابية حسب إمكانياتها بضراوة ، وإن كان ذلك كذلك يعتبر إنقلاب مأسوف عليه ، لأجل أن مثيلاتها لسن كثر في الساحة الصحفية ، ما استوقفني تعقيبها على مقال دكتور مكي مدني وإشادتها بمقترحاته العملية لحل أزمة النظام السوداني مع المجتمع الدولي وعلى وجه التحديد نصيحتها بتقليل الحكومة لجهودها في كشف وفضح أوكامبو والمحكمة الجنائية الدولية وتوجيه الصرف نحو التنمية للرد على متصيدي الأخطاء ، فقد شاطرت الكاتبة د.مكي مدني هذا الرأي بقولها (فالمسألة ليست إضافة قائمة جديدة إلى الداخلين إلى القصر والحكومة عبر الوظائف العليا مقابل إلغاء السلاح فالمسألة تتعلق بشكل أكبر في إيجاد ضمانات لعدم حمل سلاح جديد ، وهذا في ظني لا يتأتى إلا عبر بوابة التنمية فهي الوحيدة القادرة على حماية البلاد والمدنيين من المعطشين للسلطة عبر البندقية.) مثل هذه الظنون ليست موضوعية وعلى مثل هذه النغمات يرقص سارقي السلطة داخل قصورهم وفي الساحات الشعبية إلي أن تحل الطامة بعامة الشعب والآن نرى الجبل ينطق فوق الرؤوس كأنه ظلة ، نتمنى ألا تنضم الكاتبة إلى جوقة ضاربات الدفوف وقارعات الطبول بعد طول كفاح من أجل العفة والإستقامة ومنع ممارسة العادات المالية الضارة. ولو أن هنالك من ينتهج الحوار كمبدأ لحل المسائل الخلافية ويحترم إدارة أهل الشأن لما إضطر أحد لحمل السلاح كوسيلة لدخول القصر ، المأزق الذي يعاني منه البلاد الآن سببه الإستحقاقات العادلة لأهل دارفور وعموم الهامش والجرائم التي أرتكبها النظام لمنع إسترداد هذه الحقوق ، إقليم دارفور المنكوب إنسانيا وتنموياً لم يتغير كثيراً منذ إستقلال السودان حتى 2003 تاريخ الثورة المسلحة ، تصاعدت وتيرة المطالب حتى وصلت الذروة بصورة دراماتيكية في هذا التاريخ عندما قفل أهل المركز باب الحوار ، ففتح الثوار أفواه البنادق في وجه المركز ، وحين تفتح المركز الأبواب على مصراعيه للحوار ودون مواربة ، بلا شك أن الرشاشات لا تغلق فوهاتها فحسب بل توضع جانباً طالما أن الوضع أصبح مكشوفا ولا شي يدعو للريبة وسوء ظنون كظنون الكاتبة سمية سيد ، أبواب الحوار لا أحد يستطيع فتحها على المكشوف في هذا الوقت العصيب إلا ممثلي كافة أهل السودان وليست ثلة سارقة مارست الخداع سنينا عددا. تتسق ظنون الكاتبة النابهة إن جاءت في ظل حكومة شرعية ، بيد أن تعزيزها لهذه الوصفة في ظل حاكمية الذين تعطشوا للسلطة وشربوا من معينها تحت مظلة السلاح ولما يقارب العقدين من الزمان ولم يرتووا منها ، هذا المسلك من الكاتبة المتخصصة في هذا الوقت بالذات يدفعنا لإعتقاد إنها قد أعياها النضال وإستسلمت لشرعية الأمر الواقع تحت ذرائع قد لا تكون حميدة. كما تهدر الأنظمة الشمولية الوقت والموارد في مجابهة الأزمات التي تفتعلها ، الفساد أيضاً يبتلع معظم مقدرات الشعب ، ولن يكافح المفسدون إلا بتوفر أجهزة رقابية مسئولة ونافذة وجهاز قضائي مستقبل وهذه مقومات الأنظمة التعددية اللبرالية ومن سمات الشعوب التي تؤمن بالديمقراطية ، بمعنى أن ظنون إحداث طفرة تنموية في ظل الأنظمة الشمولية يعتبر ضرب من الوهم كالذي يرجو النجاة ولم يسلك مسالكه ، ومعظم الأنظمة الشمولية والحكومات الدكتاتورية ينقضون غزلهم من بعد قوة أنكاثا إلا من رحم ربه ، ومع ذلك يصرون على تكرار تجاربهم لإشباع غرورهم فيمتون من جنون العظمة جنرال تلو جنرال.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم