السودان: جزرة امريكا لا تغرى وعصاتها لا تخيف ! .. بقلم: د. على حمد إبراهيم
فيما تتوالى الاخبار عن تعثر الاجراءات الخاصة باجراء استفتاء جنوب السودان فى موعده المقرر (التاسع من يناير 2011 ) ، بادرت ادارة الرئيس اوباما بتهديد نظام حكم الرئيس البشير ، و دعته الى الاختيار بين التعاون معها من أجل تنفيذ استفتاء سلس ونزيه فى جنوب السودان ، وبين الاستعداد للمواجهة معها ومع حلفائها . واختار الرئيس اوباما أن يدلى بدلوه فى هذا الخصوص. واعلن على الملأ أن ادارته سوف تشمر عن سواعد الجد حتى ترى هذا الاستفتاء وقد تم تنفيذه فى مواعيده المضروبة وبشفافية كاملة . وحذر من ان تؤول اوضاع السودان بعد الاستفتاء الى الفوضى وعدم الاستقرار . وكان مبعوثه الشخصى الى السودان ، الجنرال سكوت غريشون ، قد حذر هو الآخر القيادة السودانية فى اجتماعه معهم فى الخرطوم فى الاسبوع الثانى من سبتمبر ، من ان السودان قد يتعرض الى عقوبات متعددة ان هو عرقل اجراء الاستفتاء فى مواعيده . و شدد على ضرورة الحفاظ على الأمن والاستقرار. تحذير الرئيس اوباما هو بمثابة عصا غليظة ترفعها االولايات المتحدة فى وجه الحكومة السودانية ، قبل ان تعود و تقرن عصاتها الغليظة بجزرة التطبيع الكامل بين البلدين ، وبتجميد ملاحقة الرئيس البشير من قبل محكمة الجنايات الدولية لمدة عام مقابل تعاون السودان ، وتسهيله لعملية اجراء استفتاء جنوب . التهديد الامريكى الواضح هو من نوع الترهيب والترغيب . او سياسة رفع الجزرة والعصا ، التى كثيرا ما تجرى الاشارة اليها فى الوسائط الاعلامية كوسيلة من وسائل تليين المواقف اوزجرها التى تلجأ اليها الادارات الامريكية عادة مع خصومها وفرقائها فى كثير من الاوقات . فى الحالة السودانية ، يبدو ان الادارة الامريكية الحالية تعتقد ان الحكومة السودانية محتاجة لتطبيع علاقاتها مع الولايات المتحدة اكثر من حاجة الولايات المتحدة الى تطبيع علاقاتها مع السودان. ربما لشعورها انها قد استفادت بالفعل من التعاون الاستخبارى بين البلدين فى السنوات القليلة الماضية بالصورة التى ربما تكون قد قللت من حاجة امريكا الاستخبارية الى السودان بعد ان استنفذت اغراضها منه ، بعد حصولها على ملفات استخبارية كثيرة من السودان كانت تحتاجها لحربها ضد الارهاب لا سيما فى القرن الافريقى . و لأن امريكا تعلم انها لم تقدم الى السودان اى مقابل يذكر نظير تعاونه الاستخبارى الذى اشادت به علنا مرات ومرات ، بل ابقت آماله فى التطبيع ورفع العقوبات ورفع اسمه من كشف الدول الداعمة للارهاب ، ابقتها معلقة بين الأمل والرجاء ورهينة أملا فى الحصول على مزيد من الخدمات من السودان الذى سيظل يكابد المزيد من الابتزاز عن طريق الاستمرار فى رفع ميسم جزرة التطبيع التى تعتقد امريكا ان قلب ووجدان النظام السودانى سوف يظل يهفو لتناولها طالما ظلت مرفوعة له . ولأن الطمّاع لا يشبع ، فلا بأس من زيادة المطلوبات الامريكية من السودان فى كل مرة . ولكن مشكلة السودان فى الاستجابة الى كل المطلوبات الامريكية تبدو كبيرة ومعقدة ، وتصغر قدرة الحكومة فى الشمال فى التصدى لها لأنها مطلوبات تخص اطرافا عديدة من أهل الحق كانت اتفاقية السلام بين الشريكين قد ابعدتهم واقصتهم عن مواقعهم فى طاولة المفاوضات عنوة . وقد جاء الآن وقت التغابن الحاد حول الانصبة والحقوق بين شركاء كثيرين. وليس فقط بين شريكين اثنين فقد بان حجم التعقيد الذى يكتنف تتنفيذ هذه الملفات المعلة ويكتنف بالتالى موضوع الاستجابة للمطلوبات الامريكية أزاءها .مثلا : قضايا تبعية منطقة ابيى شمالا او جنوبا ، وقسمة البترول والمياه وترسيم الحدود ، هى قضايا يصعب على حكومة الشمال لوحدها ان تعطى القرار الفصل فيها طالما ظلت قبيلة (المسيرية) العربية الكبيرة والقادرة تهدد بأن باطن الارض خير من ظاهرها ان ذهبت أبيى او لم تراع حقوقها فى الماء والمرعى والبترول . والذين يعرفون واقع ذلك الجزء من الوطن ، يعرفون ايضا ان هذه القبيلة تعنى ما تقول . كذلك لا يستطيع احد ان يتصور كيف يمكن معالجة قضايا شائكة بهذا القدر من التعقيد فيما تبقى من زمن امام الشريكين فى بلد هو قارة وتمتد الحدود بين شماله وجنوبه لاكثر من الفى كيلومترا وتمازج شعبه لاكثر من قرن من الزمن ، ويراد تفتيته على عجل فى بضعة اشهر . هذه ملفات لن تستطيع الحكومة السودانية حسمها بالصورة التى تتوقعها الولايات المتحدة مهما كان حجم عصاتها المرفوعة فى وجه الحكومة السودانية أو حجم جزرتها . اما تهديد الادارة الامريكية للسيد البشير وحكومته بعقوبات اضافية متعددة مثل تجميد ارصدة مسئولين ، أو منعهم من السفر ، او محاصرة موانئ السودان لمنع وصول الاسلحة اليه ، فهذا كله من قبيل تجريب المجرب الذى ثبت فى الماضى ان ضرره يعود على المواطن المغلوب على امره ولا يقع على الحاكم . لقد رأينا ورأى العالم معنا الذى حدث للشعب الليبى وللشعب العراقى مكن ضنك واذى فى حين ظل الحكام ضاربين هوى وانبساط . هل تتوقع امريكا ان هؤلاء الحكام سوف ينتظرونها حتى تصل الى ابوابهم ، ثم يمدون لها رقابهم لتفعل فيها ما تريد: كأن تصادر ارصدتهم حتى يفلسوا ، وتصادر جوازات سفرهم ن وبطاقات سفرهم ، فلا يستطيعون السفر والحراك . ياللعجب !
لا توجد تعليقات
