زهير عثمان
ليس الحديث عن الحدود السودانية هذه الأيام مجرد نقاش جغرافي في “أمتار ضائعة” أو “خطوط مرسومة على زمن الاستعمار”
بل هو نقاش في جوهر (هيبة الدولة) التي تآكلت في أطرافها البعيدة، حتى أصبحت مرآة تعكس تشظي المركز وصلابته معاً
في القانون الدولي، مبدأ (Uti Possidetis Juris) يحكم القارة الأفريقية، وقد رسخ أن الحدود الموروثة عن الاستعمار هي حدود ثابتة لا تقبل المساومة، تجنباً لفتح “صندوق باندورا” الذي سيعمق الصراعات القبلية والإثنية
لكن القانون ذاته يعترف بآلية أخرى أشد إيلاماً للسودانيين مبدأ (السيادة الفعلية)، الذي يمنح الأرض لمن يديرها فعلياً، لا لمن يملك صكوكاً قديمة على ورق
هذا هو مكمن الجرح. في الفشقة، لم تتحرك إثيوبيا فقط لأنها طمعانة في الأراضي الخصبة، بل لأنها رأت فراغاً بعد حرب أبريل 2023، حين تحولت أولويات الجيش من حماية الحدود إلى معركة البقاء في الداخل
فطبقت إثيوبيا على أرض الواقع ما يعرفه القانون الأرض لمن يحكمها
وفي حلايب، استخدمت مصر سلاحاً أذكى من الدبابات الإدارة الصامتة الطويلة، بفرض خدماتها ووجودها الإداري، بينما ظل السودان يتعامل مع الملف كـ”كروت ضغط” سياسي يفتح عند الحاجة
أما حدود الغرب من أم دافوق إلى ربك، فقد تحولت إلى “لا دولة”، تُدار من شبكات مصالح عابرة للقوميات تمتهن السلاح والتهريب
لكن السؤال الأوجع: أين الدبلوماسية السودانية؟ وأين الأحزاب والقوى السياسية؟ الدبلوماسية مشلولة لأن العالم لم يعد يعرف مع من يتفاوض؛ دولة انقسمت على نفسها فتحولت من لاعب إلى ساحة صراع والأحزاب غارقة في محاصصة الكراسي وصراعات اليوم الواحد، فيما ملف الحدود يحتاج إلى استراتيجية تمتد لخمسين عاماً
أن (الدولة التي تحارب نفسها لا تحمي حدودها). التهريب صار اقتصاد الأطراف، والاعتياد على الفقد يهدد وجود الدولة الوطنية
الحل ليس بترسيم الخطوط، بل بترسيم مشروع وطني متماسك في الخرطوم. فالسيادة لا تتحمي بالنصوص، بل بالتماسك.
zuhair.osman@aol.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم