أصداء الوعي
ادم ابكر عسي.
1نوفمبر 2026م.
adamruk55@gmail.com.
يُعدّ نشر الكيان الصهيوني خريطةً لمن يسمّيهم حلفاءه في المنطقة، تتضمّن دارفور وأرض الصومال وليبيا تحت نفوذ حفتر، حدثاً يتجاوز دلالته الرمزية إلى كونه إشارة استراتيجية إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة. فالخرائط ليست مجرد رسوم، بل أدوات لتوجيه الإدراك وصناعة الوقائع، خصوصاً حين تلتقي مع فاعلين مسلحين وكيانات انفصالية ومسارات نفوذ عابرة للحدود. وإذا لم يُقرأ هذا التطور بوصفه تهديداً مباشراً لوحدة السودان وسيادته، فإنه قد يفضي تدريجياً إلى ما يشبه “جنوب جديد”، وقد يكون انفصال دارفور بدايةً له. ومن هنا لا يكفي الردّ السياسي المتأخر، بل يحتاج الأمر إلى استراتيجية متكاملة تعمل على ثلاثة مسارات متوازية.
المسار الأول هو مسار العمليات لاستعادة الأرض وبسط السيطرة، عبر التغلغل في عمق دارفور والعمل على استعادة الولايات بأسرع ما يمكن. غير أن السرعة العسكرية لا تكون فعّالة إلا إذا اقترنت بضبط الأرض وحماية المدنيين ومنع فراغات السلطة، وبوضوح الهدف السياسي الذي يمنع تحوّل الانتصار العملياتي إلى إدارة أزمات ممتدة. فالسيطرة ليست دخولاً إلى الإقليم فحسب، بل قدرة على تثبيت الدولة وقطع خطوط الإمداد والتمويل والحركة التي تغذي المشروع الانفصالي.
أما المسار الثاني فهو حراك دبلوماسي على مستوى أفريقيا والعالم، هدفه تحقيق وحدة السودان وسلامته والتأكيد أن وحدة السودان وسلامته مسألة مهمة ومهددة في آن واحد، لا سيما في ظل الدعم الإسرائيلي للمخططات والكيانات التي تستهدف تفكيك المنطقة. ويقتضي ذلك لقاءات مع كينيا وتشاد وإثيوبيا وجنوب السودان وأوغندا، وضغطاً منسقاً على الاتحاد الأفريقي لاحترام ميثاق المنظمة وعدم التعامل مع الكيانات المنفصلة كأمر واقع، وتحريكاً موازياً في جامعة الدول العربية والصين وروسيا. والغاية هنا ليست بناء محاور ظرفية، بل تشكيل إجماع دولي وإقليمي يربط بين وحدة السودان وأمن البحر الأحمر وشرق أفريقيا والساحل، ويجعل المساس بالسيادة السودانية مكلفاً سياسياً.
أما المسار الثالث فهو الحوار السوداني ـ السوداني والبحث عن السلام لإنهاء الحرب، بما قد يفتح باب مفاوضات تتيح ترتيباً سياسياً وأمنياً مستداماً. غير أن المفاوضات لا تعني وقف العمليات تلقائياً، ولا تُفهم ضعفاً أو استسلاماً، بل هي أداة لاختبار جدية الأطراف وتحويل القوة الميدانية إلى مكاسب سياسية. وللسودان تاريخ طويل في التفاوض أثناء الصراع، وهذا لا ينتقص من سيادته أو كرامته طالما ظل الهدف حماية السيادة وإنجاز السلام، وطالما استُخدم التفاوض لتفويت الفرصة على الشر لا لمنحه شرعية أو وقتاً.
إن التحدي الحقيقي أمام السودان ليس في خريطة واحدة، بل في قدرته على تحويل التهديد إلى وعي استراتيجي، والوعي إلى مسارات متزامنة: قوة ميدانية مضبوطة، ودبلوماسية واسعة تحمي الشرعية، وحوار وطني لا يفرّط في السيادة. وبهذا التوازن يمكن سدّ الطريق أمام مشروع تفكيك الدولة، لا بالردّ المنفرد، بل برؤية شاملة تربط بين الأرض والسياسة والسلام.
