المقال (٢)
د. أحمد التيجاني سيد أحمد
عضو قيادي مؤسس في تحالف السودان التأسيسي «تأسيس»
روما، إيطاليا — ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦
من واقعة القصف إلى خطاب التهديد
في المقال الأول تناولنا قصف مواقع التعدين الأهلي في شمال الوادي، وما أثاره من أسئلة عن حماية المواطنين السودانيين وصون الأرض والسيادة. وتنتقل هذه الحلقة إلى تحليل خطاب إعلامي مصري يصوّر تحركاً سودانياً داخل السودان باعتباره تهديداً لمصر، فيما يعرض التنسيق المصري السوداني في القصف كأنه أمر طبيعي أو مبرر.
ظهر هذا الخطاب في تحليل للمحلل المصري ببرنامج «خمسينة اقتصاد». وتكمن أهمية التحليل في كشفه طريقة تفكير سياسية وإعلامية تضع السودان في موقع التابع أو «الحديقة الخلفية»، ثم تصوّر أي حركة سودانية مستقلة على أنها خطر يهدد مصر.
حين يصبح السودان، في الخطاب، تهديداً لمصر
يتناول المحلل المصري في المقطع المصوّر تحركات تحالف السودان التأسيسي «تأسيس» بعبارات توحي بأن السودان أو قواه السياسية والعسكرية قد تتجه إلى غزو مصر أو تهديدها. وهذا تصوير يقلب الوقائع: فالسودان هو البلد الذي استُهدفت مواقع داخل حدوده، وفق التقارير والخريطة المنشورة، ومع ذلك يُقدَّم التحرك السوداني بوصفه مصدر الخطر.
تحالف السودان التأسيسي «تأسيس» إطار سوداني عريض يضم جهات مدنية وحزبية وقوات الكفاح المسلح، ويستند إلى ميثاق ودستور انتقالي يحددان مشروعه السياسي ومسار بناء الدولة. ولا يجوز تصوير وجود هذا التحالف أو نشاطه السياسي دليلاً على نية غزو مصر أو تهديدها. ومن حق السودانيين مناقشة مشروعهم السياسي والدفاع عن سيادة بلدهم، كما يحق للمصريين معرفة ما يُقال باسم أمنهم القومي وما إذا كان يُستخدم لتبرير التدخل في شؤون السودان.
0FC9EC63-7381-450A-A910-2E6C8E328DD7.jpg
لقطة من تحليل المحلل المصري في برنامج «خمسينة اقتصاد». رابط التسجيل أدناه.
رابط التسجيل: مشاهدة التسجيل
الحديث عن اتفاق على القصف
الأشد خطورة في التحليل ما نُسب إلى المحلل من أن الضربات جاءت في إطار اتفاق أو تفاهم بين مصر والسلطة العسكرية في السودان، أو بعلم الجيش السوداني. وإذا صح هذا الادعاء، فهو يثير شبهة تواطؤ مصري سوداني ضد سيادة السودان، وأسئلة مباشرة عن الجهة التي أذنت باستهداف مواقع داخل البلاد وحماية المدنيين السودانيين.
أصدرت حكومة بورتسودان بياناً أعلنت فيه تشكيل لجنة لتقصي الحقائق بشأن الحادثة، وأشار بيان مجلس السيادة إلى تواصل بين قيادتي البلدين. وتشكيل اللجنة لا يغني عن نشر نتائجها وتمليك الحقائق للرأي العام. وينبغي أن يكشف التحقيق ملابسات الضربات والجهة التي نفذتها والأساس الذي استندت إليه.
الخريطة وموقع الضربة
تعرض صورة الخريطة المنشورة في «نيويورك تايمز» الموقع المستهدف على بُعد نحو ٤٠ كيلومتراً داخل الحدود السودانية، جنوب الحدود المصرية السودانية وتحت خط عرض ٢٢° شمالاً. كما تعرض الصحيفة صورتين فضائيتين للموقع قبل الضربة وبعدها. والقضية هنا ليست نزاعاً حدودياً؛ إنما موقع الضربة داخل الحدود السودانية كما يظهر في الخريطة المنشورة. وتبقى الصورة والتقرير مما ينبغي فحصه ضمن تحقيق مستقل.
68F59E70-BEE2-4294-9779-D84066D54955.jpg
خريطة نشرتها «نيويورك تايمز» لموقع الضربة. ووفقاً للتقرير، يقع الموقع على بُعد نحو ٤٠ كيلومتراً داخل الحدود السودانية.
التصريحات الرسمية وأسئلة المعدّنين
أشار بيان للقوات المسلحة المصرية إلى عمليات لمكافحة التعدين غير القانوني، لكنه لم يحدد الموقع المعني ولم يقدم شرحاً كافياً بشأن الضربات. وقد أثار هذا البيان، إلى جانب تصريحات أخرى متداولة، أسئلة عن طبيعة العملية وموقعها والضحايا الذين سقطوا فيها.
كما تداولت وسائل الإعلام تصريحات منسوبة إلى نجيب ساويرس يشكر فيها السلطات المصرية على إزالة المعدّنين. وهذه التصريحات، إن ثبتت دقتها وسياقها، تثير أسئلة إضافية: من تقصد السلطات المصرية بالمعدّنين؟ وأين كانوا؟ وهل كانت هناك عملية داخل السودان، كما يتضح من موقع القصف ومن هوية الضحايا السودانيين؟ ومن الذي يملك حق تحديد مصير مواطنين سودانيين وأراضيهم ومواردهم؟
لا يجوز أن تتحول مكافحة التعدين غير القانوني إلى مبرر لاستهداف أشخاص أو مواقع داخل السودان، أو إلى وسيلة لتجاوز السيادة السودانية. فمعالجة أي نشاط مخالف تقتضي احترام الاختصاص السوداني وحماية المدنيين، لا عملاً عسكرياً تتضارب بشأنه الروايات.
بين الشعبين وسياسات الحكومات
الاعتراض موجَّه إلى السياسات والتدخلات التي تمس السودان وسيادته، وليس إلى الشعب المصري. وبين الشعبين السوداني والمصري صلات تاريخية وأسرية وثقافية. ولا تُصان هذه الصلات بإنكار الوقائع أو بتصوير الاعتراض السوداني على القصف باعتباره عداءً لمصر؛ بل باحترام استقلال السودان ومواجهة الخلافات بوضوح.
بيانات الشجب ومخاطر التصعيد
أصدرت جهات شعبية وتحالف السودان التأسيسي «تأسيس» بيانات شجب قوية للقصف، وعبّر سودانيون في مناطق مختلفة عن غضبهم وخوفهم من أن يتحول استهداف المدنيين إلى سابقة. كما تداولت أنباء عن اعتداءات طالت سائقي شاحنات تنقل بضائع مصرية. وينبغي التثبت من تفاصيل هذه الأنباء ومصادرها، مع رفض استهداف المدنيين أو تحميلهم مسؤولية أفعال الحكومات والمؤسسات العسكرية.
إن تصاعد الغضب الشعبي، مع خطاب إعلامي يقدّم السودان باعتباره مصدر تهديد لمصر، يخلق بيئة خطرة. وهذه الوقائع تنذر بمواجهة وحرب بين البلدين إذا استمر تجاهلها أو تبريرها. والتحذير هنا لا يعني أن الحرب قد بدأت أو أنها حتمية، بل أن القصف والتفاهمات غير المكشوفة والخطاب التحريضي قد تدفع الأمور نحوها.
أسئلة لا تُجاب إلا بتحقيق
من يملك حق تقرير ما يجري داخل السودان؟ وهل تقبل السلطة العسكرية القائمة أن يُستهدف مواطنون سودانيون على أرضهم في إطار اتفاق لا يعرفه الشعب السوداني؟ وهل يهيئ هذا الخطاب الرأي العام المصري لقبول تدخلات أوسع عبر تصوير السودان ومشروعه السياسي على أنهما تهديد لمصر؟
هذه الأسئلة إنما تُجاب بتحقيق مستقل، وإعلان نتائجه، ومحاسبة المسؤولين، وبيان واضح بشأن أي تنسيق عسكري جرى على حساب سيادة السودان أو أرواح مواطنيه.
السودان ليس «حديقة خلفية» لأحد، ولا يجوز أن يصبح ميداناً مفتوحاً للضربات والتفاهمات السرية. وأي حديث عن تهديد سوداني لمصر لا يمكن فصله عن تقارير الضربات داخل السودان، والخريطة التي تضع الموقع المستهدف داخل حدوده، والادعاء الإعلامي بوجود اتفاق أو علم سوداني بذلك.
المطلوب اليوم إيقاف التصعيد وكشف الحقيقة. أما استمرار القصف أو تبريره أو التستر على ملابساته، بالتوازي مع خطاب يصوّر السودان عدواً زاحفاً، فيمهد لمواجهة وحرب لا مصلحة للشعبين فيها.
د. أحمد التيجاني سيد أحمد
عضو قيادي مؤسس في تحالف السودان التأسيسي «تأسيس»
Sent from my iPhone
ahmedsidahmed.contacts@gmail.com
