الصادق حمدين
في الغرف المغلقة داخل واشنطن تتم مناقشة الحرب في السودان باعتبارها أزمة تمس الأمن الإقليمي والدولي، بينما في بورتسودان يبدو أن القرار الرسمي لا يزال أسير حسابات الماضي، متمسكاً بوهم أن الزمن يمكن أن يمنح الحرب نهاية مختلفة عن كل ما أظهرته الوقائع خلال أكثر من ثلاثة أعوام.
إن عقد لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي جلسة إحاطة سرية حول السودان في الخامس من أغسطس الجاري ليس تفصيلاً دبلوماسياً عابراً، بل إشارة إلى أن العالم بات يتعامل مع الحرب السودانية باعتبارها أزمة تتجاوز حدود الخرطوم وبورتسودان وكردفان ودارفور، وأن استمرار القتال أصبح تهديداً للاستقرار والأمن العالمي في منطقة شديدة الحساسية من البحر الأحمر إلى القرن الأفريقي.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه لماذا لا تزال حكومة بورتسودان ترفض التعامل مع حقيقة سياسية واضحة؟ لماذا تستمر في إدارة حرب أثبتت نتائجها أنها لا تنتج سوى الخراب والدمار، بينما يدفع الشعب السوداني الصابر وحده فاتورة صراع لا يبدو له أفق قريب؟
لقد تحولت الحرب من معركة معلنة إلى مأساة وطنية مفتوحة. مدن مدمرة، ملايين المشردين، اقتصاد منهك، ومجتمع يواجه خطر التفكك. ومع ذلك، ما زال الخطاب الرسمي يكرر لغة الحسم والانتصار، وكأن معاناة السودانيين مجرد تكلفة مؤقتة في طريق مشروع سياسي غير واضح المعالم.
المشكلة ليست فقط في استمرار الحرب، بل في تحويلها إلى خيار سياسي دائم. فبدل البحث عن مخرج تفاوضي يوقف نزيف الدم، تبدو سلطة الأمر الواقع متمسكة بمنطق كسب الوقت، متجاهلة أن الوقت في الحروب لا يعمل دائماً لصالح من يراهن عليه، بل قد يتحول إلى عامل استنزاف وانهيار شامل.
إن رفض الاستجابة الجادة لدعوات وقف إطلاق النار لا يمكن قراءته فقط باعتباره خلاف حول تفاصيل التفاوض، بل باعتباره أزمة في ترتيب الأولويات: هل الأولوية هي حماية الدولة والمواطنين، أم استمرار معركة سياسية وعسكرية يدفع ثمنها ملايين السودانيين؟
لقد تغير العالم من حول السودان. فالقوى الدولية لم تعد تنظر إلى الحرب باعتبارها شأن داخلي، بل باعتبارها عامل تهديد لأمن البحر الأحمر برمته، وللاستقرار الإقليمي، ولمصالح دولية واسعة. وكلما طال أمد الصراع، زادت احتمالات تدويل الأزمة وفرض مسارات لا يملك السودانيون وحدهم التحكم بها.
إن حكومة الأمر الواقع التي يقودها الجنرال البرهان أمام اختبار سياسي وتاريخي: إما أن تدرك أن الشرعية المفقودة لا يمكن استعادتها باستمرار الحرب بل بقرار من الشعب، وأن قوة أي دولة لا تُقاس بعدد المعارك التي تخوضها، بل بقدرتها على حماية شعبها، أو أن تتحول الحرب إلى عبء سياسي وأخلاقي يصعب التخلص منه. وربما يكون هذا العناد والاصرار على مواصلة الحرب حبل قنٌبْ يلتف حول رقاب من يشعلون نارها وهم لا يدرون.
السودان لا يحتاج إلى مزيد من البيانات العسكرية، ولا إلى وعود مؤجلة بالنصر. السودان يحتاج إلى قرار شجاع يضع حداً للحرب، ويعيد السياسة إلى موقعها الطبيعي، وينقذ ما تبقى من دولة تتآكل تحت نار الصراع.
فالتاريخ قاسي مع من يطيلون عمر الكوارث، وأكثر قسوة مع من يمتلكون فرصة إيقافها ولا يفعلون. فالخطب “الحنجورية” لن تخيف أحداً، والذي يقاتل بمقابل لن يحقق نصراً، فاسألوا التاريخ أن كنتم تجهلون؟ “المكري لا يقاتل” “ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة” أياك أعني يا النور القبة فاسمع يا موسى هلال.
umniaissa@hotmail.com
