زهير عثمان
في اللحظات التاريخية الفاصلة، تُمتحن الأمم بقدرة نخبها ومجتمعاتها على ممارسة “النقد الذاتي” كأداة للنهوض , لكن في الحالة السودانية الراهنة، يشهد المشهد السياسي تحولاً كارثياً؛ حيث انزلق نقد الدولة من كونه مشروعاً فكرياً يهدف لتفكيك بنية الاستبداد وإعادة تأسيس المجال العام، ليصبح “حرب عوام” محكومة بالغريزة والانفعال، بعيداً عن منطق العقل والتحليل السياسي الرصين
سقوط الأسئلة الكبرى في فخ الاصطفاف لم يعد السؤال الجوهري في الفضاء السوداني اليوم يبحث في
لماذا فشلت الدولة تاريخياً؟
أو لماذا تعثرت مشاريع بناء الأمة منذ لحظة الاستقلال؟
بل تم اختزال الوعي الجمعي في سؤال استقطابي حاد “أنت مع من؟”. هذا الانتقال من “تحليل الأزمة” إلى “تحديد الخندق” هو المأساة الكبرى التي أدت إلى انحدار الخطاب العام وتسطيحه. المشكلة هنا لا تكمن في الدفاع عن الجيش كرمز للسيادة الوطنية، ولا في نقده كمؤسسة سياسية وعسكرية، فهذا حراك طبيعي في المجتمعات الحية
إنما تبدأ الأزمة الحقيقية حين يتم اختزال “الدولة” بكامل تعقيداتها في “الجيش”، واختزال “الوطنية” في “الولاء العسكري”، ثم تحويل السياسة إلى معركة لحماية مراكز النفوذ. في هذا المناخ، يغدو النقد “خيانة”، والتفكير خارج الصندوق “عمالة”، والحياد القائم على المبادئ “تواطؤاً”
جذور التآكل الدولة كغنمية لا كعقد هذا الانحدار ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة “تجريف” ممنهج للمجال المدني والفكري
منذ الاستقلال، فشلت الدولة السودانية في إنتاج “عقد اجتماعي” حقيقي، وظلت رهينة لتحالفات قلقة (قبلية، طائفية، وعسكرية)
وبدلاً من أن تكون الدولة مؤسسة جامعة للحقوق والقانون، ترسخت في الوجدان الشعبي باعتبارها “سلطة قهر” أو “غنيمة” تتصارع عليها النخب. ومع كل انقلاب عسكري، كانت فكرة “المؤسسة” تتآكل لصالح فكرة “القوة”، حتى أصبح الرصاص هو المصدر الوحيد للشرعية
الحرب الراهنة سيادة خطاب “المشجعين” في ظل الحرب الحالية، تضخم هذا التشوه البنيوي؛ فبدلاً من أن تفتح المأساة باباً لمراجعة جذور الأزمة (فشل النخب، مركزية السلطة، عسكرة السياسة، واختلال العلاقة بين المركز والهامش)، انزلق الخطاب إلى مستنقع التعبئة والتحريض
صار الفضاء العام محكوماً بمنطق “المشجعين” الذين يتبادلون الشتائم والتخوين، بينما غاب “رجال الدولة” والمفكرون خلف ضجيج الغوغائية الرقمية
والأدهى من ذلك، أن كثيراً من الأصوات الصارخة باسم “الوطنية” لا تدافع عن الوطن ككيان مادي ومعنوي، بل تدافع عن “امتيازاتها” داخل بنية السلطة القديمة
هناك خوف وجودي من فقدان النفوذ الرمزي أو الاقتصادي في حال قيام أي تحول ديمقراطي حقيقي؛ لذا يتم استدعاء “خطاب الوطنية” بكثافة كدرع لحماية “السلطة” لا “الدولة”
التمييز الواجب الدولة مقابل السلطة إن جوهر المعضلة يكمن في الخلط المتعمد بين “الدولة” و”السلطة”
الدولة هي المؤسسات، القانون، الذاكرة الجمعية، والعدالة، بينما السلطة هي مجرد “إدارة مؤقتة للقوة”
وحين يعتبر نقد السلطة هجوماً على الدولة، فنحن أمام علامة صريحة على هشاشة الوعي السياسي وسيطرة الخطاب الشعبوي الذي يحول السياسة إلى “إدارة للكراهية” لا “إدارة للاختلاف”
ما وراء إيقاف الحرب السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى وقف إطلاق النار، بل يحتاج -أكثر من أي وقت مضى- إلى إعادة بناء فكرة السياسة
إننا بحاجة لاستعادة قيمة “التفكير النقدي”، وفك الارتباط القسري بين الوطنية والاصطفاف العسكري
الدولة التي تُختزل في “البندقية” هي دولة خائفة من مجتمعها، لا دولة مستمدة لشرعيتها منه
إن أي نقاش جاد حول المستقبل يجب أن يتجاوز ثنائية (مع أو ضد) إلى سؤال الوجود الأهم هو كيف نبني دولة مواطنة وقانون، لا تكون رهينة للعسكر، ولا المليشيات، ولا النخب الطفيلية؟ هذا هو السؤال الذي يهرب منه الجميع، لأن مواجهته تتطلب اعترافاً بشجاعة الفشل التاريخي الكامل، والبدء في ترميم الإنسان والمؤسسة قبل ترميم المباني.
zuhair.osman@aol.com
