لم يكن مساعد الأمين العام للأمم المتحدة يتلاعب بالألفاظ أو يلجأ لأساليب البلاغة والبديع عندما أطلق صرخته الأخيرة التي حذر فيها من أن الوضع في أفريقيا الوسطى قابل للانفجار في أي لحظة ، فالواضح أن ذلك البلد المنكوب يواجه تحديات ضخمة وأن الاستقرار فيه لا زال أمنية بعيدة المنال بالرغم مما بذل من جهود دولية وإقليمية. وحري بمسئولينا أن يضعوا أيديهم على قلوبهم إشفاقاً مما قد يتناثر علينا من شرر الانفجار المتوقع في أفريقيا الوسطى ، فموقعها الاستراتيجي لا يخفى على أحد إذ أنها تجاور إقليم دارفور المضطرب وتمثل واحدة من جارتين فقط تتقاسمان الحدود مع كل من السودان وجنوب السودان. فضلاً عن أن الوضع المتدهور في أفريقيا الوسطى يعتبر مدعاة لتدخل الكثير من الحادبين والطامعين على المستويين الدولي والإقليمي وبعض هؤلاء لا يمكن ، مهما بالغنا في حسن النية ، أن يوضع في خانة من يضمرون الخير لبلادنا.
قبل عامين من الآن كنت أحاول لفت النظر لما قد تتكشف عنه الأحداث في أفريقيا الوسطى فسطرت مقالاً تحت عنوان “الحريق على الضفة الأخرى من النهر” عبرت فيه عن دهشتي بشأن سلبية الموقف السوداني مطالباً بدور أكثر فعالية من ذلك الدور الدبلوماسي الخجول الذي اكتفت فيه وزارة الخارجية بدعوة الأطراف المتنازعة لضبط النفس. وعندما قررت اللجنة التنفيذية لمنظمة التعاون الإسلامي عقد اجتماع على المستوى الوزاري لبحث المشكلة لم تشارك بلادنا في الاجتماع على ذلك المستوى بينما وفودنا الوزارية تجوب الأرض شرقاً وغرباً. أما الجهود الأفريقية فقد اكتفينا في غالب الأحيان بالإعلان فقط عن دعمنا لها من بعيد. الآن وبعد تتابع الأيام والشهور لا زال الموقف السوداني حيال ما يجري في أفريقيا الوسطى من أحداث متردداً ولا يفي بطموح المواطن السوداني الذي يرغب في دور أكبر يتناسب وحجم بلادنا وموقعها الاستراتيجي وتاريخ العلاقات المشتركة مع الدولة الجارة والقارة الأفريقية ككل. ولأن السياسة الدولية ، شأنها شأن الطبيعة ، لا تقبل الفراغ فإن الكثير من الأطراف بما في ذلك بعض دول الجوار الأقل إمكانيات ومقدرة من بلادنا سعت ولا زالت تسعى لملء الفراغ الذي خلفه غياب السودان. وتحاول هذه الدول استغلال علاقاتها مع بعض القوى الدولية الفاعلة لتلعب دوراً أكبر من حجمها. ومما يؤسف له أن التعامل مع التطورات في أفريقيا الوسطى لا يعدو كونه قمة جبل الجليد بالنسبة للمشكلة التي تواجهها بلادنا في علاقاتها الأفريقية.
كانت أفريقيا الوسطى في الماضي تتطلع دائماً للسودان باعتباره السند الذي يعتمد عليه ، والمنفذ المهم لشمال أفريقيا والعالم الخارجي. ويمكن للمراقب أن يخلص إلى أن السودان كان في زمان مضى بمثابة الشقيق الأكبر لهذا البلد الأفريقي. غير أن ظروفاً عدة مرت بالسودان مع تقادم السنوات أقعدت به عن القيام بهذا الدور ليس أقلها بالطبع الفشل الصريح في إدارة التنوع العرقي والثقافي والسياسي في البلاد مما أدى لذهاب الجنوب وكان سبباً مباشراً وراء الحروب الدائرة الآن في مناطق مختلفة من السودان ، وعدم الاستقرار الذي ظلت البلاد تعاني منه لسنوات متعاقبة. كما أن توتر علاقات السودان مع القوى الفاعلة في المجتمع الدولي ، والعثرات التي ظلت تتردى فيها الدبلوماسية السودانية أضرا كثيراً بعلاقات السودان الخارجية بما في ذلك تواصله مع محيطيه الأقرب في أفريقيا والعالم العربي.
تتسم تصريحات مسئولينا في الآونة بالكثير من التفاؤل بأن السودان سيتمكن قريباً من تجاوز الأزمات التي ظلت تأخذ بخناقه وتحبط جهوده من أجل تطوير علاقاته مع المجتمع الدولي وبصفة خاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية. ولا نملك إلا أن نرحب بهذه الروح ونأمل أن يشكل هذا التفاؤل قاعدة للانطلاق بعلاقات السودان الخارجية والسعي الجاد من أجل استعادة دوره المفقود في القارة الأفريقية ، فمكانة بلادنا ودورهاعلى الساحة الدولية يتأثران إيجاباً أو سلباً بالدور الذي يمكن أن تلعبه في محيطها الأفريقي. ولا يخفى بالطبع على مسؤولينا المتفائلين بأن السياسة الخارجية ما هي إلا مرآة صادقة للأوضاع الداخلية في أي دولة. عليه فإن أي خطوة نحو استعادة دور السودان المفقود في أفريقيا تبدأ بالطبع من الخرطوم وليس من واشنطن أو بانقي.
mahjoub.basha@gmail.com
شاهد أيضاً
الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه
عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم