بروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي المؤسس -مركز الدراية للدراسات الاستراتيجية
يطرح الكثيرون من السودانيين الذين اصطلوا بنيران الحرب الفاجرة: أيهما أولى، السلام أم العدالة؟ ويفترض هذا السؤال أن السودان مضطر للاختيار بينهما، وكأن تحقيق أحدهما يستلزم التضحية بالآخر. لكن التجارب الدولية تشير إلى أن هذا التصور مضلل. فالسلام الذي يقوم على تجاهل حقوق الضحايا يظل سلاماً هشاً، وقد يحمل في داخله بذور نزاعات جديدة. وفي المقابل، فإن السعي إلى عدالة لا تراعي واقع الحرب وتعقيدات إنهائها قد يؤدي إلى إطالة أمد القتال وزيادة عدد الضحايا. ولهذا فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في المفاضلة بين السلام والعدالة، بل في تصميم مسار انتقالي يحققهما معاً.
وفي الحالة السودانية، لا ينبغي أن يكون وقف الحرب بين الجيش والدعم السريع بديلاً عن العدالة، كما لا ينبغي أن تصبح العدالة سبباً لتعطيل وقف الحرب. فالسلام ينقذ الأرواح ويوقف الدمار، والعدالة تعيد الثقة في الدولة، وتنصف الضحايا، وتؤسس لضمانات تحول دون تكرار المأساة. ولهذا فإن أي تسوية مستدامة ينبغي أن تقوم على ثلاثة أسس مترابطة: وقف الحرب وحماية المدنيين، وإنصاف الضحايا وفق سيادة القانون، وبناء مؤسسات وطنية تمنع تكرار الانتهاكات. إن السلام والعدالة ليسا طريقين متوازيين، بل طريق واحد يقود إلى استقرار دائم. فلا سلام بلا عدالة، ولا عدالة مستدامة في ظل حرب مستمرة بين الجيش والدعم السريع.
ومضة فكرية
السلام يوقف نزيف الحاضر، والعدالة تمنع نزيف المستقبل. ومن يجمع بينهما بالتدرج والتسلسل، يبني وطناً لا تعود فيه الحرب مرة أخرى. فالقضية ليست أن نختار بين السلام والعدالة، بل أن نبني سلاماً عادلاً تعقبه عدالةٌ تصون السلام.
melshibly@hotmail.com
