أواب عزام البوشي
في خضم المشهد السياسي السوداني المتلبد بالغيوم، يرى مراقبون ومحللون أن ما يجري حالياً من موافقات مشروطة ومقترحات أمريكية لا يعدو كونه “مناورة جديدة” يقودها الفريق أول عبدالفتاح البرهان، هدفها الأساسي تخفيف الضغوط الخارجية المتصاعدة، وليس الوصول إلى سلام حقيقي. فمن يظن أن البرهان يمكن أن يتخلى عن حلم السلطة بهذه السهولة، يغفل قراءة المؤشرات التي تؤكد تمسكه الراسخ بالحكم، مستنداً إلى حلفائه التقليديين من جناح الحركة الإسلامية بزعامة علي كرتي، في مشهد يعكس استمرارية النهج السياسي ذاته منذ سقوط نظام البشير.
الوثيقة المسربة التي كشفت عنها صحيفة The Liberal الأيرلندية قبل أيام، والتي تحمل توقيع مكتب رئيس مجلس السيادة في بورتسودان، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن البرهان يسعى إلى إعادة صياغة بنية السلطة وإدارة المرحلة الانتقالية عبر رؤية سياسية دستورية شاملة، تقوم على تشكيل سلطة انتقالية تمتد لخمس سنوات يقودها رئيس للجمهورية وحكومة تكنوقراط، مع إعادة توزيع الصلاحيات بين مؤسسات الدولة لصالح الأجهزة العسكرية والأمنية. هذه الوثيقة ليست مجرد ورقة سياسية بل هي خريطة طريق واضحة المعالم لترسيخ حكم عسكري طويل الأمد، وهو ما يتناقض تماماً مع أي حديث عن انتقال سلمي للسلطة.
الكيزان بين الانقسام والتحالف :-
صحيح أن هناك صراعاً داخلياً حاداً بين جناحي الحركة الإسلامية، وهو ما تجلى بوضوح في معركة السيطرة على “منظمة الدعوة الإسلامية” بين علي كرتي والشيخ آل محمود، وتبادل الاتهامات بالفساد المالي والإداري، ووصول الخلاف إلى ساحات القضاء. وهذا الانقسام يعكس أزمة وجودية داخل التنظيم، وصراعاً على النفوذ والثروة في مرحلة ما بعد البشير. لكن المهم هنا هو أن هذا الصراع الداخلي، رغم حدته، لا يعني تغيراً في الاستراتيجية الكبرى للبرهان، بل على العكس، فهو يستثمر هذا الانقسام لصالحه، بإبقاء الجميع في دائرة تبعيته، مع إضعافهم كقوى سياسية فاعلة، وإبقائهم كحاضنة ضعيفة يستند إليها دون تمكينهم فعلياً من السلطة.
البرهان، الذي اختار حلفاءه من جناح علي كرتي، يدرك أن هذا الجناح هو الأكثر قدرة على تقديم الدعم السياسي والإداري والأمني له، مقابل إبقائهم في موقع التابع لا الشريك. وهذا ما يفسر عدم اتخاذه أي إجراء جاد ضد الفساد أو محاسبة قادة الحرب، بل على العكس، فهو يكرس شراكتهم في إدارة الدولة، مع إبقائهم تحت سيطرته.
المناورة الجديدة: لماذا الموافقة الآن؟
إذاً، ما يحدث الآن من موافقة على المقترح الأميركي هو جزء من استراتيجية مماطلة متقنة، هدفها الأساسي :-
· تخفيف الضغوط الدولية: خاصة مع تصاعد الحديث عن عقوبات أمريكية وشيكة ومذكرات توقيف دولية، يحتاج البرهان إلى إظهار بعض المرونة لكسب الوقت.
· إرباك الخصوم: إظهار موافقة مفاجئة يضع القوى المدنية والوسطاء في حالة من الترقب والحيرة، مما يعطل أي تحرك موحد ضده.
· إعادة تجميع الصفوف: استغلال فترة الهدنة المحتملة لإعادة تنظيم الجيش، وتحسين الموقف الميداني قبل أي مواجهة مقبلة وإيجاد وسائل جديدة للحصول على أسلحة.
وفي تأكيد جديد على نية المماطلة في خبر نقلته قناة (العربية) وافق البرهان رسمياً على المقترح الأميركي ، مشترطاً انسحاب قوات الدعم السريع الكامل من جميع جبهات القتال في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، وتجميعها في نقاط محددة، وهو ما يرفضه الدعم السريع بشكل قاطع وسبق ان كان أوقف هذا افشل هذا الشرط اتفاق جدة. وهذه هي العقبة الكبرى التي تعرقل أي اتفاق سلام، وتؤكد أن البرهان يضع شروطاً يعلم مسبقاً أنها غير قابلة للتنفيذ، في محاولة لإفشال أي مسار تفاوضي حقيقي مع إلقاء المسؤولية على الطرف الآخر. فكيف يمكن الحديث عن هدنة إنسانية بينما يشترط أحد الطرفين انسحاب الطرف الآخر بالكامل قبل أي نقاش؟ هذا الشرط ليس إلا دليلاً واضحاً على أن البرهان لا يريد سلاماً، بل يريد كسب الوقت وتعزيز موقفه العسكري.
حلم السلطة لا يموت :-
كل المؤشرات تؤكد أن البرهان لا يزال متمسكاً بحلمه في حكم السودان، وأن ما يحدث من مناورات وموافقات مشروطة هو مجرد حلقة جديدة في مسلسل المماطلة الطويل. الصراع الداخلي في الحركة الإسلامية، رغم حدته، لا يغير من هذه الحقيقة، بل قد يمنح البرهان فرصة للعب دور المحكم بين الأجنحة المتصارعة، مما يعزز موقعه كمركز الثقل الوحيد. وإصراره على شرط انسحاب الدعم السريع الكامل كشرط مسبق لأي هدنة، هو أكبر دليل على أن الموافقة على المقترح الأميركي ليست أكثر من مناورة لكسب الوقت وتفادي العقوبات، وليس خطوة نحو السلام.
أما الشعب السوداني، الذي يئن تحت وطأة الحرب والمجاعة والنزوح، فهو الضحية الأكبر لهذه المناورات، بينما يواصل البرهان وحلفاؤه لعب دورهم في مسرحية سياسية عنوانها “السلام”، ومضمونها “السلطة”. والأيام القادمة، خاصة مع اقتراب موعد الرد الأمريكي على هذه الموافقة المشروطة، ستكشف ما إذا كانت هناك فرصة حقيقية لكسر الجمود، أم أن الأمر سيكون مجرد فصل جديد في كتاب المماطلة السوداني الذي طالت فصوله.
awabazzam456@gmail.com
