ملامح من ضروب الشخصية السودانية:
في الجزء الأول من هذه السلسلة، تناولنا الشخصية السودانية من زاوية رمزية، محاولين — ومن واقع رؤيتنا الشخصية — أن نستكشف بعض ملامحها وطبائعها. وكما يقول المثل: “ما حك جلدك مثل ظفرك”، فقد سعينا إلى أن نقرأ أنفسنا بأنفسنا، بعيدًا عن إسقاطات الآخرين.
واليوم، في هذا الجزء الثاني، سنحاول — على قدر معرفتنا وتجربتنا — أن نتتبع بعض المظاهر والأنماط التي تتجلى فيها هذه الشخصية، مع إدراكنا التام أننا لا نقدّم فرضيات جديدة، ولا نسعى لنبذ الخلافات أو إثارة أي شكل من أشكال التفكير السلبي. بل إن غايتنا أن نضع أمام القارئ لوحةً صادقة، تتداخل فيها العاطفة والعقل، وتتحاور فيها التجربة الفردية مع الذاكرة الجمعية.
أولًا: الطيبة كقيمة اجتماعية:
الطيبة في المجتمع السوداني ليست مجرد سلوك، بل هي رمز ثقافي متوارث. فهي تتجلى في:
الميل للمساعدة حتى مع الغرباء.
الانفتاح على الآخر بسرعة، مع حسن الظن المسبق.
الترحيب الحار الذي يطغى على اللقاءات الأولى.
لكن هذه الطيبة، رغم جمالها، قد تتحول أحيانًا إلى مدخل للاستغلال، خصوصًا في البيئات التي يختل فيها ميزان الثقة والحذر. وهنا تظهر أهمية المزج بين الطيبة والحكمة، حتى لا تتحول الفضيلة إلى ثغرة.
ثانيًا: الصبر والقدرة على التحمل:
التاريخ السوداني، القديم والحديث، يروي لنا الكثير عن قدرة الإنسان السوداني على التحمّل والصبر أمام الشدائد:
مقاومة الظروف البيئية القاسية.
الصمود أمام الأزمات السياسية والاقتصادية.
الإبداع في إيجاد الحلول البسيطة للبقاء والاستمرار.
هذه القدرة على الصبر ليست سلبية، بل هي شكل من أشكال التكيف، لكنها تصبح معضلة إذا تحوّلت إلى “تطبيع مع المعاناة” بدل أن تكون دافعًا للتغيير.
ثالثًا: الحس الجماعي وروح الشراكة:
المجتمع السوداني بطبعه مجتمع متداخل، يصعب فيه الفصل بين الفرد والجماعة. ومن صور ذلك:
ثقافة “النفير” في الزراعة والبناء والمناسبات.
مشاركة الأفراح والأتراح على نطاق واسع.
تغليب المصلحة العامة على المصلحة الفردية في المواقف الحرجة.
هذا الحس الجماعي منح السودان تماسكًا اجتماعيًا لقرون، لكنه أحيانًا يذيب الفرد في الجماعة، مما يقلل من مساحة القرار الفردي المستقل.
رابعًا: الميل للفكاهة والسخرية:
حتى في أحلك الظروف، تجد السوداني يميل إلى إطلاق النكتة والتعليق الساخر، وكأن الضحك وسيلة للدفاع النفسي أمام الأزمات.
الفكاهة السودانية ليست عبثًا، بل هي أسلوب ذكي لتخفيف حدة المواقف، وكسر جمود الأوضاع، والتلميح إلى النقد الاجتماعي والسياسي بطريقة غير مباشرة.
خاتمة الجزء الثاني:
الشخصية السودانية، في طيبتها وصبرها وتكافلها وفكاهتها، تحمل الكثير من الجمال الإنساني. لكن هذه السمات نفسها قد تصبح سلاحًا ذا حدين إذا غاب عنها التوازن، أو إذا تُركت دون وعي نقدي يطورها.
في الجزء الثالث من هذه السلسلة، سنحاول أن نغوص في التحديات التي تواجه الشخصية السودانية في زمن التغيير والتحولات الكبرى، وكيف يمكن أن توائم بين إرثها العاطفي وحاجتها إلى عقلانية المستقبل
عثمان يوسف خليل
المملكة المتحدة
osmanyousif1@icloud.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم