كيف لا
الشخصية السودانية بتناقضاتها العديدة ما بين التعقيد والبساطة، أعيت الباحثين والدارسين ، الذين يخلصون في النهاية إلى ذهاب أغلب الصفات السالبة ويبقى السوداني في نظر نفسه معتداً بها وفي نظر الآخرين طيباً وكريماً وأميناً ومخلصاً. عكس هذه الصفات وقعت على دراسة جاءت ناسفة بكل المعايير لما يعرفه السوداني عن نفسه ولما يعرفه عنه الآخرون . الدراسة جاءت تحت سلسلة قضايا سودانية للنقاش في كتاب (ملامح الشخصية السودانية : أزمة الهوية وغياب الضمير).يتكون الكتاب من مجموعة قضايا لعدد من الكتاب، لم يناقشوها وإنما وضعوا أحكاماً يصعب التسليم بها أو رفضها، مثل : العنف في الشخصية السودانية، غياب الضمير وفوضى السلوك ، السوداني مسالم وأمين، الشخصية السودانية وأزمة الثقة بالنفس.
وقفت طويلاً عند موضوع الشخصية السودانية وأزمة الثقة بالنفس لكاتبه د.عبد الوهاب محمد الخير. عند قراءتك لهذا الموضوع لا تملك إلا أن تختلف مع كاتبه في حكمه المطلق على الشخصية السودانية نتيجة لمجهود أربع صفحات فقط من القطع المتوسط دبج فيها حكمه النهائي بأنها :” شخصية سلبية وباهتة الملامح ، فاقدة لروح الخلق والإبداع والاختراع ، ومحدودة المهارات والمعارف والعلوم ، ترى في كل شيء مساوئه واشكالاته، وتبحث عن تبريرات لاخفاقاتها ، ثم تنزوي بعيداً وتركن إلى السكون متصالحة مع الفشل” . رغم أن كل هذا قيل عني وعنك عزيزي القاريء وحُكم به عليك وعليّ ولا نعرف اذا استثنى الكاتب نفسه أم لا لأنه يتحدث عن الشخصية السودانية بضمير الغائب وكأنها شخصية آتية من الفضاء الخارجي، إلا أنني حاولت أن انظر لهذه الدراسة بشيء من التجرد فوجدت الكتاب في مجمله وعلى اختلاف كتابه يفتقد إلى امتلاك نواصي المعرفة والثقافة الموسوعية والقراءة المنهجية التي تستلزم الاستعانة بالأدوات كشرط أساسي لمثل هذه الدراسات النقدية . ورغم أن هنالك اعلان في صفحة الغلاف يخبر بأن الكتاب مزود باستبيانات للرأي العام وقطعت الكتاب جيئة وذهاباً بحثاً عن أي استبيان فلم أجد غير استبيان واحد لرأي أساتذة الجامعات حول أهم سلبيات وايجابيات الشخصية السودانية أما بقية القضايا أثبت الكتاب فرضيتها بشكلها السلبي دون جمع ملاحظات أو استبيانات أو أي وسيلة علمية أخرى .
أورد د. عبد الوهاب محمد الخير بصدد اثبات أزمة الثقة بالنفس لدى الشخصية السودانية بعض ملاحظات عابرة وهي: أن السلوك السائد في السودان هو السعي إلى اقحام الوسطاء الروحيين في علاقة الفرد بربه،أن حكم السودان في تاريخه القبلي القديم قام على هيمنة الفرد وليس المؤسسة التي كانت تدور في فلك القائد “الملهم” وكمثال لذلك الإمام المهدي ، أنه ليس هناك ثقة كاملة بقدرات السوداني الآخر في الانتاج والموهبة ، أن السودانيين في المهجر منفلقين اجتماعياً وغير متواصلين مع الجنسيات الأخرى بصورة طبيعية بل يميلون إلى تكوين مجتمعات خاصة بهم.اتفقت مع الكاتب في بعض هذه النقاط كمسببات فقط ولكن إذا نظرنا إلى ظروفها فنجدها مرتبطة من ناحية الزمان بفترة تاريخية معينة مثل فترة الإمام المهدي ومن ناحية المكان ارتبط بعضها بالمهجر ، ولا أظن أن هذه الأمثلة بظروفها التاريخية والمكانية تصلح لإطلاق أحكام معممة على الشخصية السودانية بمعناها العام.
في هذه القراءة السريعة لا استطيع أن اتهم الكتاب بما حوى بأنه عبارة عن جلد للذات ينمي الهزيمة النفسية والاحباط بالهروب إلى أحاسيس الشعور بالفشل والعجز ، كما انني لا أستطيع أن أعطيه شرف نقد الذات الذي يتلمس مواطن الضعف وأسباب الفشل ليقيمها ويركلها ويأخذ بأسباب النجاح .هذا الكتاب ببساطة هو نموذج لمجموعة كتابات غير مسؤولة علمياً تفتقر إلى النزاهة النقدية وتسعى عن علم أو دون علم إلى تقزيم والحط من شأن الشخصية السودانية مع غياب الشعور بالفخر والاعتزاز بالانتماء للوطن والولاء له وتنامي مشاعر تنحو نحو الدونية والتحامل على النفس .
عن صحيفة “الأحداث”
moaney [moaney15@yahoo.com]
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم